Libyan Constitutional Union

 

www.libyanconstitutionalunion.org

&

www.libyanconstitutionalunion.net  

&

www.lcu-libya.co.uk

 

 

 

 

 
 
تخصص هذه الصفحة لنشر  مقالات الأستاذ محمد القزيّري (رحمه الله) التي كتبها عقب انخراطه في صفوف مؤسسي الاتحاد الدستوري الليبي، وذلك لتعريف الأجيال الجديدة وقراء الانترنت بفكر هذا الأديب المبدع وأسلوبه في الكتابة.
 
ولعل مقالة  "خواطر طائشة من وحي خطاب شرس أُلقي في أكتوبر 1982" التي تعد من أفضل ما كتبه الفقيد هي خير ما نستهل به هذه السلسلة، وقد كتبها (رحمه الله) بعد الاستماع لخطاب ألقاه القذافي في 7 أكتوبر 1982 بمناسبة الذكرى السنوية لإحدى الإنتصارات الوهمية التي أدخلها نظام الانقلاب إلى قائمة الأعياد الوطنية المزعومة بدلاً عن الأعياد الوطنية الحقيقية التي ألغاها وأنكر وجودها (مثل الذكرى الواحدة والثلاثين لإعلان الدستور الليبي التي صادفت تاريخ إلقاء ذلك الخطاب). وقد كان من المقرر أن تنشر هذه المقالة في 24 ديسمبر من ذلك العام إحياءً للذكرى الواحدة والثلاثين لعيد الاستقلال المجيد، إلا أن موانع مادية حالت دون ذلك، وبقت مع غيرها في ملفاتنا حتى هذه المناسبة الحزينة.

 

*   *   *   *   *

*   *   *

*

 

 

  •  

 

 

 

*   *   *

*

 

 

 

خواطر طائشة من وحي خطاب شرس ألقي في أكتوبر 1982م

(النسخة المطبوعة)

بقلم : محمد حسين القزيّري (رحمه الله)


اعداد وتقديم : هشام بن غلبون

25 نوفمبر 2007


أنقر الوصلة لقراءة المقال في صيغة "بي دي إف

سبق وأن تم نشر نسخة مصورة من هذه القطعة الأدبية الرائعة من أعمال الراحل الأستاذ محمد القزيّري (رحمه الله) بتاريخ 18 نوفمبر2007 على عدد من المواقع الليبية مع وعد بنشرها مطبوعة لتسهيل قراءتها والعثور عليها عن طريق محركات البحث متى تطوع أحد الأخوة بإعادة طباعتها*.

وقد سارع الأخ الكريم الدكتورعبد الباسط بواحميدة  بالتطوّع بإعادة طباعتها "هدية لروح الفقيد"، فله جزيل الشكر والعرفان.

 *   *   *

*

اليوم السابع من أكتوبر نحتفل فيه ابتهاجا بطرد بقايا الطليان الفاشيست رسميا. ونفرح جديا. منذ سنوات ضربنا الاستعمار في الصميم .. ألحقنا بفلول المزارعين والعمال هزيمة ساحقة. كنا بحاجة إلى بضع انجازات ثورية تربك الأعداء. لمعت في رأس فيلسوفنا الحربي فكرة لا يستهان بها. تسوّق باسمنا حصة لا بأس بها في منشأة )فيات( الاشتراكية الشعبية. ساهمنا بالمثل في برامج الانعاش الاقتصادي العاجل لبعض الاصدقاء من براعم المافيا الصقلية. دائما نعرف بالبداهة كيف نختار حلفائنا لمشاريع المستقبل القريب وصروف الدهر. اشترينا لكم جبلا بركانيا أسود في جزيرة جرداء في عرض البحر الأبيض . ما رأيكم في تناسق الألوان هنا ؟ .. وما قولكم في هذه الشطارة كلها ؟ ... ونسمّيه عيد الثأر .

ولأن الشئ بالشئ يذكر، ذكرتنا طردة الفاشيست بالمدعو عمرالمختار . فطردناه من مدينة بنغازي سابقا الى تلك البلدة الصغيرة التي شنقه الأوغاد فيها قبل أن نتمكن من اعتقاله بتهمة الرجعية المفرطة . وهو مجرد قروي عجوز على كل حال . لم يكن جديرا بسكن المدن الحديثة حتى ميّتا. ومن قال لكم أن القبر لساكنه ؟ .. آه .. لو أن ذلك الدرويش المتخلف مازال حيا الى الآن ، لجعلناه عميلا للصهيونية على الأقل . مدير ثورتنا الفخمة المتعدد المواهب واسع الحيلة مثل ثعلب محنك . تعامل مع رفات الشيخ الطريد بمهارة نباش قبور محترف . قائدنا المذكور حاذق للغاية.. يقود كل شئ بمفرده .... حتى كتائب الجرارات الثقيلة يقودها شخصيا بنفس البراعة كلما اتقضت الضرورة الحتمية نسف ضريح ما .. أو هدم مدينة ما.

بنغازي هذه مدينة مشاكسة قليلا . نحن لا نحبها كثيرا . أخفقت في مجاراة العصر. لم تنقطع قط عن التذمر من مجاريها التي أزكمت رائحتها الكريهة أنوف الاخوة المسؤولين في اللجان ذات الشأن. والمفكر عاكف على حل مشاكل البشرية كلها بالجملة.. وهي تشكو من أزمة المجاري الحقيرة وحدها. يا لها من عفونه رجعية معادية للثورة  !... تلك مشكلتها هي. لا تقدر المسؤولية التاريخية هذه المدينة المالحة المياه . نحن ثوريون بالسليقة .. نأخذ مجرانا الوحيد خلف قائدنا التاريخي والجغرافي . لا تخصنا مجاري الغير . لا نطيق الزكام والمدن المشاغبة. محوناها من الأطلس الشعبي نكاية في سيدي غازي المزعوم وسيدي اخريبيش وغيرهما من السادة الموتى وشبه الأحياء القاطنين فيها وفي ضواحيها، لكي تكون عبرة لغيرها . وضعنا في مكانها )البيان الأول( مثلما فعلنا بالآنسـة )العقوريّـة( توكرة من قبلها. ربما نلغي بقايا الأهالي كذلك في البيـان التالي. 

والله العظيم ، لا يهمنا الا التقدم الفوري في أيّـما اتجاه نقاد اليه. نحن رواد الفكر الاشتراكي الأخضر. مرة نزحف .. ومرة نسير. لا نعبأ بالصعاب . كلما اعترتنا الحيرة نفتح الكتاب .. فنجد الجواب. والديك لا يبيض أبدا، وحتى الدجاجة قررت مؤخرا ألاّ تبيض لحساب الأسواق العامة. أيها المواطن الثائر: يجب أن تتصدى للمؤامرة الامبريالية .. ان لم تجد في السوق بيضة وطنية تأكلها، فلتذبح الديك الخائن.. والقائد ليس عنده وقت لحل مشكلاتك الغذائية. انه " لا استقلال لشعب يأكل من وراء البحر" ـ كما جاء بالمقولة. ولكن لا بأس أن تأكل من جوف البحر.. وتشرب أيضا عند اللزوم. فاصطادوا أسماك القرش، أيها الاخوة المواطنون.. وانقعوها واشربوا. ان القرش العميل من أعداء الشعب الليبي .. وعلينا أن نتغدى به قبل أن يتعشى بنا. فهكذا تحل المشاكل. ولدينا مخزون هائل من الحلول الجذرية والحماس الاشتراكي فضلا عن النفط الخام... لا شئ يزعجنا. 

أي نعم.. طردنا فضلات المزارعين الطليان من الجماهيرية الطازجة التي كانت ليبيا، ونفينا البقية الباقية من الدرويش المسنّ إلى خارج بنغازي التي أمست وأصبحت مدينة البيان الأول والمجاري الأزلية، وشرّدنا أحفاد السويحلي من مصراته التي مازالت على حالها إلى حين اشعار آخر. وأي واحد لا يروق لنا وليس يشطح معنا في أعراس الجلاء الدائم من هنا نطرده .. بل نطارده أيضا وندوس عليه ونسحق عظامه المضادة للثورة ونكسر رقبته ونقطع رأسه ونشرب من دمه نصف لتر على الريق ... نحن مرعبون جدا. نحن رسل الحضارة الجديدة المبشّرون. لا نخاف أحدا فيما عدا ثعلبنا القائد والشرطي والله وبعضنا البعض... ايّاكم أن تستهينوا بنا، والا يأكلكم المالح . نحن عندنا كتاب ملوّن . 

رسالتنا الكبرى في الحياة أن نرهب أعداء الثعلب لنفوز برضاه . انه يفكر بعنف . بفضله وحده نجحنا في اكتساب سمعة دولية مدوّية. لا يعنينا ما اذا كانت جيدة أو رديئة. جريدتنا تؤكد أنها ممتازة.. وقد زكّتها الاذاعة. وقائدنا يبتسم لنا صراحة، ويرقص في السرّ طربا لمنجزاتنا. يكفينا ذلك فخرا. نحن مخيفون حقا.. على ما نعتقد. يخشانا أكثر الاخوة المواطنين.. لا أحد يضربنا.. يهابنا الجميع. فلا بد أن المعلم على صواب، ونحن أيضا تلاميذ نجباء ، وكل شئ على ما يرام . 

ولكن.. ما هذه المخاوف التي بدأت تساورنا من آن الى آخر؟ ... تخالجنا أحيانا بعض الوساوس والشكوك الغريبة. يتملكنا احساس غامض بنوع من الرعب الذي نراه في عيون الآخرين. يخيّل الينا أن مسيرتنا الموحشة على وشك أن تبلغ نهاية طريقها المحفوف بالمخاطر.. والجماجم... تحاصرنا ثمّة أسوار مدينة البيان الأخير.. يلقي الشعب القبض علينا ذات يوم.. ربما في موسم صيد الثعالب وسلخ الفراء الخضر. هل ترى يصفح عنا ذلك الشعب الذي ثرنا عليه واحتكرنا كل شئ باسمه من أجل أن نكسب ودّ ثعلب مكّار؟ وهل في مقدور هذا الأخير انقاذنا من مأزق محتوم يلوح منذ الآن بانتظارنا ؟ ... لا نظن، ولسنا واثقين. والحلم أصبح مزعجا الى حد بعيد . و نحن، في خاتمة المطاف، خائفون الى حد ما. 

فعليكم أن تغفروا لنا وأن تنسوا الاهانات وقتل البعض منكم، أيها الاخوة في الوطن والعروبة. كنا لا نقصد سوءا. والحي خير من الميت ـ على رأي المثل الشعبي. اننا كنا فقط مكلفين . والتوظيف "تكليف لا تشريف" ـ كما أخبرنا مدرس الفصل . وقال شاعرنا الفحل العزومي حتى قبل أن يموت : 

قم للمعلم وفّــه التأييدا   *   كاد المعلم أن يكون عقيدا

ونحن ـ كما قال نفس المعلم ـ أدوات درّبت على الطاعة والولاء. قسما، وعلينا الطلاق بالثلاثة جميعا، انما كنا نحمي مستحقاتكم من الدفع الثوري.. كنا ندافع جاهدين عن أموال الشعب في صندوق الجهاد.. عن أسهمنا الصاعدة في تورينو.. عن جبالنا الشّماء في بانتيليريا.. عن مصرفنا الخارجي العظيم في كامبالا.. عن أخيكم المسلم المرتدّ بوكاسا )صلاح الدين سابقا( .. عن فلسطين وما حولها.. عن سمعة اللجان في كل مكان... كنا لا نريد أن نخرج من المولد بلا بعض الحمّص كما دخلنا.

        فما دخلنا في هذه الورطة، اذن؟ .. ليس من حق أحد أن يلومنا. كل ذنبنا أننا كنا ثوريين أكثر منكم.. وأنتم تحسدوننا فيما يبدو. " لا ثوري خارج اللجان الثورية" ـ هكذا علمنا المفكر. قائدنا التاريخي الوحيد كان من واجبنا أن نتبعه الى نهاية تاريخه. هذه قضية مبدأ. لسنا كلابا ضالة . نحن مواطنون صالحون تماما ـ قالت لنا الاذاعة .. وهي أحيانا لا تكذب . لماذا كنتم تتوقعون منا أن نفكر في العواقب من تلقاء أنفسنا ؟ ... مشكلة التفكير ، شأنها شأن مجاري البيان الأول. لم تكن من اختصاصنا المباشر. وحده كان يقود ويعلم ويفكر ويثور دائما بلا منازع . وهو الذي دعانا قوة الثورة ... فلا حول ولا قوة إلا بالله ! .. ماذا تريدون منا الآن؟.. ان كان في نيّتكم فقط تبادل العتاب الأخوي، فأهلا وسهلا. سامحونا أولا.. نسامحكم بدورنا... ونعترف سويّا. بعضنا يعتقد أنه مخيف وبعضنا لا يدري أنه خائف .. وليس هذا فحسب، بل تفضلوا حضراتكم بالعلم والاطلاع.

        أيامنا كلها أعياد متواصلة. وفي كل أعيادنا نفرح نحن والحكومة طول النهار. ونأخذ عطلة رسمية نصنع في أثنائها مسيرة ضخمة أو اثنتين حسب الحالة الجوية. حققنا الاكتفاء الذاتي من انتاج المسيرات المعلبة في أشرطة الفيديو. وفي يوم العيد نزحف أحيانا على أوكار الرجعية .. وأحيانا نحتفل سبعة أيام بلياليها تحت وطأة الفراغ والملل في أوكارنا الخاصة. ولا شئ يهمنا. فالوقت عندنا من رصاص ونفط مقطر. والخدمة للعبيد. وفي جميع المناسبات السارة تطبق الاذاعة المسموعة على زمارة رقابنا التقدمية، فيما تسلينا بالحديث عن المدن والقرى التي اكتست حلة قشيبة من الزينة ـ على حد زعمها ـ ومواد التجميل .. وعن قطار الموت البطئ الزاحف نحونا وقوارب النجاة المثقوبة .. وعن مواطنينا السعداء الذين طردوا مختلف الحساد وقعدوا ليسمعوها وحدهم.. وعن الكلاب الضالة في بلاد الأجانب واللجان المفترسة في أيام الجمع والعطلات .. وعن الحشود الضخمة التي اصطفت للاحتفال والجلاء والتأشيرة .

        تحكي لنا المسموعة عن كل ما جرى في ألف ليلة وليلة .. وفي ملحمة رأس الغول وقصص الأشباح وأفلام الرعب. تملأنا بالتفاؤل وبهجة المعرفة. نعيش معها في عالم سحري رائع يغبطنا عليه أولئك التعساء المحرومون من نعمة الاذاعة الجماهيرية .. أولئك الذين شاء سوء حظهم أن يولدوا خارج حدودنا. واذا ما خطر لك أن تستريب ولو قليلا في صدق هذه المسموعة المهولة فان جهاز المرئية ـ ذلك الصندون المشبوه المتواطئ معها على نحو فاضح ـ لابد أن يبهر عينيك أيضا بنفس الصورة الفاقعة حتى يكاد ينجح في اقناعك بأن الأساطير الاذاعية، بنوعيها المسموع والمنظور، قد لا تخلو من الصحة في جميع الأوقات.

        بعضنا ليس مخدوعا تماما وبعضنا انقشعت غشاوة الوهم عن عينيه بالكامل. واذاعتنا كاذبة غالبا بنوعيها. أتلفت أعصابنا بالصراخ ليل نهار.. صدّعت رؤوسنا بالهراء والأشعار السقيمة. دائما تسخر منا فتغني: كل شئ تمام .. ثورتنا يا سلام !.. وأي واحد يصدق اذاعة كهذه يمكنك أن تبيع له نصف الكرة الأرضية وتقبض الثمن مقدما مع الشكر .

        انها تخبرنا عن أشياء نملكها ولا نملكها. فمعلوم لدينا أن السلطة بيد الشعب الاذاعي فقط، وبقية الشعب في قبضة الشرطة العسكرية .. والشرطة في جيب القائد التاريخي .. والقائد في قلعته المسلحة يفكر في خوارق جديدة ويراقب الاذاعة من خلال العدسات بين حراسّه والحارسات .. والقلعة داخل أسوار المعسكر ..  والمعسكر محاط بالصواريخ والدبابات الثقيلة .. فالسلطة محاصرة على كل حال. والثروة في عهدة المخابرات مرصودة بالمصارف الخارجية للانفاق السخيّ على مشاريع التصفيات النهائية لخصوم القلعة والترفيه عن أصدقائها. والسلاح ليس في متناول اليد .. يد الشعب مغلولة، والأخرى تصفق وحدها عبثا .. تحمل بنادق فارغة لمهام الخفر الليلي على المخابز وغيرها من الأهداف الحيوية المماثلة .. ولا نملك الا الاعتراف بأن بنادق الشعب المسلح أخشابها جيدة تصلح وقودا للتدفئة .

        تكذب علينا اذاعتنا بلا حياء. وتصلنا كذلك اذاعات أخرى تدخل من أذن وتخرج من أخرى. لم تعد تهزّنا البكائيات الشعرية ومراثي الخنساء الحزينة. لا تطربنا الوعودالذهبية. واسطوانة تحرير فلسطين وما حولها ليست وحدها اللحن المفضل عندنا في هذه الأيام ... يهمنا أولا طرد الثعلب البري المخاتل ومن حوله .. نريد تطهير بيتنا الخاص من سلالة النازية .. نود رفع كمامة الصمت الخانق عن أفواهنا الى الأبد . يخجلنا كثيرا أن عمر المختار مات من أجلنا مرتين .

 

* * *

        في السابع من أكتوبر 82 م تدفقت الجماهير عبر مكبرات الصوت لحضور الاحتفال الشعبي الكبير الذي أقيم بقرية عمر المختار في بلدية الجبل الأخضر. وهذه ليست القرية التي أعدم بها شيخ شهدائنا في العهد الفاشيستي الأسود ثم أعيد اليها قتيلا في عصرنا الجماهيري الأخضر. انها قرية مختلفة. أنصتنا مع غيرنا من الحشود الضخمة الى خطاب تاريخي هام كالمألوف أتحفنا به القائد اللامع لثورتنا الفاخرة. ولم يداخلنا أدنى شك في أنه سيثير على الفور أصداء واسعة في كافة أنحاء العالم الآخر.

        كنا قد عرفنا السرّ في لعبة السبق الصحفي بطريق الصدفة من أحد السواح. فالذي يحصل عادة أن وكالة الأنباء الوطنية ـ التي نستقي منها سائر معلوماتنا المحنّطة عما يدو حولنا ـ تبادر بايفاد مخبريها إلى سلاسل جبال الهملايا والألب وبعض التلال المتفرقة هنا وهناك. فيتلو كل مخبر نص  الخطاب الركيك بأعلى صوته من فوق القمة التي تسلقها، ثم يقبع متربصا في أحد الكهوف حتى يأيته رجع الصدى قائلا من بعيد " يا علم ! " .. وذلك على سبيل ابداء الموافقة المقتضبة. وبناء عليه تعلن الوكالة المحتالة بشئ من الصدق أن ذلك الخطاب قد أحدث أصداء عالمية رنّانة، بل ملحنّة باللهجة المحلية أيضا ـ قبل صدور العدد التالي من صحيفتنا الوحيدة الزاهية اللون .

        أكدت جريدة )الزحف الأخضر( الغبراء على لسان قائد تحريرها، الذي جعل منها مثالا للأمانة الصحفية في نشر تصريحاته الخاصة وبرقيات التأييد، أنه ))علينا أن نعترف بدور عمر المختار الذي استقطب حركة الجهاد في جميع الأراضي الليبية ((... وكأنما الاعتراف بدور عمر المختار في تاريخنا بات أشبه بواجب ثقيل ينبغي أن نحمل أنفسنا اليوم على القيام به، وما كنا لنفعل ذلك لو لم نتلق أمرا صريحا من قيادة بلغ عمرها يوم الخطاب ثلاث عشر عاما وشهرا واحدا وسبعة ايام على اعتاب المراهقة!

        غنّى نفس القائد التاريخي المستجد، فيما كان جناحة الاعلامي المتسلق يردّد وراءه مثل ببغاء مدرب : )) لما داهم قطار الموت الأرض الليبية تحرّك )أي عمر المختار ( لكي يقوم بواجبه ((... ولم يكن قد سبق لأي ليبي أن فكر في مجرد الادعاء بأن عمر المختار لم يتحرك. وانما الشئ الذي أثار استغراب الجميع هو موضوع القطار العجيب هذا. فلا أحد من السامعين كان يتصور أن عزرائيل اخترق الحدود الليبية ممتطيا صهوة قطار في أي وقت مضى .. خصوصا وأن ليبيا ما زالت خالية من السكك الحديدية حتى الآن رغم كل  المنجزات الخارقة التي شهدتها على شاشة التلفزيون خلال السنوات الأخيرة.

        ولكن... ما علينا. فلعل القطار القاتل المشار إليه في هذا الخطاب الطويل العريض الصدى كان مجرد مركوب لفظي مريح دعت الحاجة إلى استخدامه وسيلة للنقل عبر صحراء البلاغة الثورية الشاسعة التي قد يتوه فيها أعتى القادة المفكرين في أحيان كثيرة. أي أن القطار الخصوصي الذي استقله مفكر الثورة البديعة الى قرية عمر المختار ـ كما يبدو من بقية الخطاب ـ لم يكن سوى أداة من صنع خياله الخصب للتعبير عن نواياه العدوانية تجاه غير الركاب بطريقة ملتوية.

       وصل الخطيب المفوّه بيت القصيد في الفقرة التالية مباشرة، عندما صرخ بانفعال ظاهر: ))... وسقط ادريس السنوسي وأصبح الشعب الليبي حرا يدرك حقيقة ادريس السنوسي ... الذي ساهم مساهمة لا تنسى في تأخير هذه البلاد وقهر هذا الشعب، والذي في ظل عرشه أقيمت الدكتاتورية وأقيم الحكم البوليسي القمعي((.. فيا إله السموات، كم خلقت في الشرق الأوسط من أبطال الصفاقة؟ !

        هنالك عملية عقلية معينة يطلق عيها علماء النفس اسم " الاسقاط" . وربما نستطيع تعريفها اجمالا بأنها نوع من الافتراء ينجم عن تلك الأزمة النفسية الشديدة التي قد تدفع بالمرء الى محاولة تبرير اخفاقه أو مشاعر العجز والاحباط في داخله عن طريق خلعها على شئ ما خارج ذاته أو على شخص آخر، أو التي قد تحمله على أن ينسب عيوبه ومساوئه الخاصة على الغير لا شعوريا. ولعل المتنبي قد عبّر، من حيث يدري ولا يدري، عن فكرة قريبة الشبه بتأثير مثل هذه العقدة و مركّب النقص في قوله الشهير :

واذا أتتك مذمّتي من ناقص  *    فهي الشهادة لي بأنّي كامل

        ان بعض الحاضرين من أفراد الشعب الذي كان حرا ولا يدري ـ رغم أنهم لم يدركوا بعد حقيقة الأزمة التي يعاني منها شاهد الزور الماثل أمامهم ـ فطنوا إلى مرارة السخرية الكامنة في كلامه حين تمادى إلى هذا الحد من الوقاحة. ففكروا في أن أبلغ تعليق على ذلك التلفيق أن يغرقوا في الضحك حتى الموت كمدا في بلدية الجبل الأخضر. لكن حانت منهم التفاتة خاطفة جمّدت تلك الفكرة على الفور. فقد كان الموقف لا يسمح حتى بمجرد ابتسامة باهتة. وقد أعطيت الاشارة السرّية لبدء فاصل موسيقي يستغرق خمس دقائق من التصفيق الحاد والهتاف. ولمحوا عيون  الضفادع الميّتة تجوس بينهم ومخبري الحكومة. وتذكروا سائق القطار والجرارات وقضبان السكك الحديدية والسجون ... والصمت من ذهب.

        أضاف يقول : ((هذا هو ادريس السنوسي الذي عندما داهم قطار الموت الأراضي الليبية هرب وترك ليبيا وترك الشعب الليبي وهرب إلى مصر)) ... والشفاعة يا رسول الله !..  ها قد عدنا الى نفس القطار الجهنمي مرة أخرى. فدعونا ننسف المحطة اللعينة برمّتها .

        ان الموت منذ الغزو الايطالي والى هذه اللحظه داهم الأراضي الليبية بأكثر من وسيلة للنقل والمواصلات لم يكن بينها القطار في أي وقت. فقد جاء المستعمرون الغزاة بطريق البحر وبالطائرات التي استعملتها ايطاليا لأول مرة في تاريخ الحروب عندما شرعت تقصف مواقع القوات التركية المرابطة في ليبيا عام 1911. وبقية القصة الدامية معروفة كلها في أثناء الحربين العالميتين وعبر الفترة الفاصلة بينهما.... ومن ثم أصبح الموت لا يداهمنا بعنف الا في بعض حوادث السيارات وتفكيك الألغام من مخلفات الحرب وما أشبه ذلك من المصائب التي تعزى الى القضاء والقدر. فمنذ أن استقلت البلاد في عام 1951 عاشت أرضنا في سلام وأمن كاملين، حتى فوجئت بهجمة الفاشيست المعاصرين في ساعة مبكرة من خريف سنة 1969 . وذلك حين انطلقت شراذم الانقلاب العسكري الحاكم اليوم من داخل ثكنات الجيش الليبي نفسه زاحفة على دار الاذاعة لتعلن عن قيامها بما أسمته " ثورة "! .. وصحيح أن هذه الغارة الأخيرة جاءت بطريق البر، لكنها أيضا كانت خالية من القطارات.

        وبقية الحكاية التالية للانقلاب معروفة هي الأخرى، وان لم تكن قد دوّنت بعد بكل تفاصيلها القبيحة في تاريخ البلاد. فحكومة الانقلاب أدرجت اسمها في سجلات البلدية تحت خانة " الثورة العظيمة".. ثم أخذت تثير الشغب وتخوض المعارك الخاسرة ضد الجميع على كل الجبهات المتاحة .. وتغتال المواطنين في طريقها بالمسدسات والخناجر. ومات الأمن.. وانتحر السلام مؤقتا بانتظار سقوط الانقلاب. فاذا كان ذلك القطار المميت الذي تكرر التنويه به في قرية عمر المختار حتى كدنا نسمع صفّارته مجرّد ألعوبة بلاغية مبتكرة لاصابتنا بالهلع، فمن الأفضل أن نقرّر الاقلاع عن مشاهدة التلفزيون المرعب واستهلاك المحسّنات البديعية والتدخين في آن واحد... لأن هذه العادات كلها ضارة بالصحة على أي حال. والقضية لا تحتمل مزيدا من الهزل، ومهزلة بلادنا اتخذت أبعاد قضية خطيرة من جميع الوجوه.

* * *

       

ان القصد الحقيقي من مضمون فقرات الخطاب التي أوردنا نصها فيما سبق مغلف بغلالة شفّافة جدا لا تستر ما وراءها اذا دققت النظر. فالواضح مما نشرته (الزحف الأخضر) نقلا عن خطيبها الفصيح أنه تعمد الاطناب في الاشادة بذكر السيد عمر الختار، متظاهرا بتقديره الكبير لدور شيخ شهداء ليبيا في حركة جهادها. وقال ما مؤداه باختصار أن عمر الختار حمل السلاح في وجه المحتلين صامدا في ميدان القتال حتى النهاية، بينما تخلى ادريس السنوسي عن شعبه في وقت الشدة. فهكذا يمكن تلخيص ظاهر الخطاب وأصداءه معا. أليس كذلك، يا وكالة الأنباء الصدئة ؟

        وهذا القول نصفه حق يراد به باطل. وذلك أن قائد الزحف السالف الذكر لم يكن يعنيه عمر المختار الا بقدر ما يخدم أهدافه الخبيثة. فالواقع أن كل اللف والدوران والقفز بين أرصفة القطارات عبر خطابه المقبض لا يعدو أن يكون محاولة رخيصة لعقد مقارنة مغرضة من أساسها. فهو انما أراد أن يستثمر مكانة الشيخ الجليل في نفوس الليبيين جميعا، بحيث يتملق ذكراه العطرة بحماس مصطنع، مع التجنّي في نفس الوقت على السيد ادريس السنوسي ـ بل والتطاول عليه أيضا بمنتهى السّفاهة ـ معتقدا أنه يستطيع أن يخلص من تلك المناورة السّمجة كلها الى نقطة واحدة. وهي الايحاء الى قراء جريدته وسامعي اذاعته بالفصل بين تاريخ الكفاح المجيد لاثنين من أعظم رجالات ليبيا : أسعف الله أحدهما بالشهادة قبل أن يشهد عهده.

        فما الداعي، اذن، الى اقحام القطارات والدراجات وبساط الريح في مثل هذه المساعي الدعائية المفضوحة لخداع الأبرياء من مدمني الاذاعة الليبية وللدس اللئيم حتى بين الاموات.

* * *

 

        " كان عمر المختار شيخا من مشايخ السنوسية يحمل صفة المرابط والمجاهد معا " ... هكذا يتحدث واحد من كتب التاريخ المحظورة التداول في سلوق وما حولها. ويمضي الكاتب فيقول ان معظم الوجوه البارزة في حركة المقاومة ببرقة، مثل عمر الختار ويوسف بورحيل وخالد الحمري وشريف الميلود وعبدالقادر فركاش وفضيل بوعمر وصالح العوامي ومحمد بو نجوي المسماري، كانوا أيضا من الاخوان السنوسيين.

        هؤلاء الرجال ، ممن وصفهم شيخ الانقلاب بحفنة الدراويش، لم يسجّل أحد من المراقبين في عهدهم أنهم كانوا يقيمون حلقات الذكر للهتاف المتشنّج باسم أي "فاتح" أو زعيم تحت أنظار الشرطة السّرية في معسكرات التوجيه المعنوي وفي مدرجات الجامعة... لم يقسّموا قواتهم الوطنية الى حفنة صغيرة من "الضباط الأحرار" وآلاف المجندين العبيد... لم يشحنهم أي قائد في قطارات الموت أو طائرات الهلاك الى أوغندا أو الى تشاد أو لارهاب مواطنيهم في أراضي الغير.. وما كان بوسع أحد أن يدفعهم الى ذلك. انهم لم يكونوا فريسة سهلة للفاشيست من أي لون.. بل عاشوا أحرارا وماتوا رجالا. فما أحوج ليبيا اليوم الى حفنة من الدراويش المشابهين، أيها السادة المواطنون !!...

        فاحذروا النشّالين والتزوير وعقد المقارنات الناقصة ومطالعة التاريخ بعين السلطة العوراء. واسمعوا بعض ما قاله الآخرون :

        كان السيد ادريس يمقت الايطاليين بشدة ويرتاب في نواياهم دائما. وسلطات الاحتلال الايطالي لم تشعر بالطمأنينة الكاملة في أي وقت من الأوقات ازاء وجوده بمصر، مع أنه كان قد وعد الحكومة المصرية بعدم ممارسة العمل السياسي كما كانت السفارة الايطالية بالقاهرة تراقب نشاطه وتحركاته عن كثب. وقد حاول الايطاليون مرارا أن يقنعوا الحكومة المصرية بتسليمهم الزعماء السنوسيين المهاجرين هناك، ولكن جميع محاولاتهم باءت بالفشل. وعلى الرغم من العداوة المريرة التي كانت بينهم وبين السيد ادريس، الا أن نفس الكتاب الايطاليين يقرّون له بحدة الذكاء وبأنه يمتاز بحس أخلاقي عميق وحدس سياسي صائب، الى جانب ما عرف به من الحزم في تنفيذ القرارات التي يلتزم بها والحرص على الوفاء بما يقطعه على نفسه من عهود.

        ويعزى الى غراتسياني أنه وصف عمر المختار بقوله : " هذا خصمنا العملاق..خادم ادريس المخلص القدير.. قلب الثورة البرقاوية وروحها "... ونحن لا يعنينا كثيرا ما يعترف به غراتسياني أو لا يعترف به في تقييم أبطال جهادنا. بل كنا نود أن ننسى تاريخ الفاشية المظلم في بلادنا مرة واحدة والى الأبد، لولا أن حكم الطغيان الحالي لم يبرح كعادته يذكرنا به في كل لحظة. ولذا يهمنا السؤال : ألم يكن الأحرى بعدو شعبنا اللدود هذا أن يعمد هو الى محاولة الايقاع بين الرجلين في ذلك الوقت.. ولو بالقاء خطاب تارخي هام في احدى قرانا المحتلة؟... أم ترى كان الجزار الفاشيستي القديم يؤمن بتناسخ الأرواح ويتنبأ بأن زعيمه (الدوتشي المنتظر) سوف يظهر في ليبيا مرة أخرى، ولكن بالزي الوطني، كي ينوب عنه في أداء المهمة المستحيلة بالمجان.. وفي قرية عمر المختار ذاتها ؟!

          فهل تريدون أن تكتفوا باشاعات الصحافة الخضراء وأقوال وكالة الأنباء المجفّفة، أم قرّرتم معرفة المزيد مما جاء في كتابات المؤرخين المحايدين قبل ولادة القائد التاريخي مفجّر الانقلاب الأول في حياة ليبيا ؟ ... حسنا، هاكم بضع لمحات موجزة دون تعليق :

        لقد نسب الى السيد المهدي السنوسي، والد السيد ادريس، أنه قال عن عمر المختار : " لو أن عندنا عشرة رجال مثل عمر، لما احتجنا الى أكثر منهم " ... وهكذا عبّر السيد المهدي عن مدى تقديره لفروسية عمر المختار وشجاعته الفائقة. وكانت جميع الأدوار (وهي معسكرات المجاهدين) بمنطقة الجبل الأخضر تحت قيادة عمر المختار. الا أنه كان دائما يوقّع بصفته المفوض العام للسنوسية، كما ظل على اتصال مستمر بالسيد ادريس شخصيا وبالعناصر السنوسية الأخرى والمتعاطفين معها في مصر.

        وحدث في آخر مارس من سنة 1928 أن تعرض المجاهدون لهزيمة قاسية في احدى المعارك، ممّا حمل السيد عمر المختار على الاتصال بالايطاليين لأول مرة والتفاوض معهم لعقد هدنة بين الجانبين. ومع ذلك فانه لدى انتهاء المباحثات بشأن اتفاقية الهدنة رفض التوقيع على أية شروط نهائية للصلح ما لم يشهد عليها مراقبون من مصر وتونس وتنال موافقة السيد ادريس أولا. وكان معنى ذلك أنه يتصرف باعتباره ممثلا لرئيس دولة ذات سيادة، الأمر الذي دفع الايطاليين الى التعنت معه .. فانقطعت المحادثات.

        من خلال هذه الوقائع والروايات التاريخية ـ وغيرها كثير ـ نستطيع التوصل الى فهم طبيعة العلاقة الحميمة التي كانت تربط السيد عمر المختار بالسنوسية عموما وبزعامة السيد ادريس على الأخص. فقد كان عمر المختار واحدا من كبار مشايخ السنوسية في ليبيا، قائدا لقواتها، مقاتلا تحت لوائها، الى أن قضى نحبه شهيدا على أرضها في أيام الثورة الليبية العظيمة حقا والتي يبدو أن أبناء هذا الجيل التعس لا يعرفون عنها الا ما يلقّنهم اياه قائد غرّ لم يتجازر بعد طور الطفولة السياسية، ولم يشهد في حياته كلها معركة واحدة .. لا كجندي ولا كقائد.

        ان عمر المختار، أيها السادة، كان قائدا ميدانيا مسؤولا عن ادارة العمليات الحربية في ساحة القتال، في حين كانت القيادة السياسية بالمنفى تعمل هي الأخرى من أجل التحرير ولم تكن غائبة عن جو المعركة. وعلينا أن نلاحظ هنا أن حركة الجهاد الليبي ضد الاستعمار الايطالي كانت عملية متواصلة بمثابة حرب شعبية طويلة الأمد، روعيت فيها مختلف العوامل التكتيكية والاستراتيجية بقدر ما كان الليبيون اذ ذاك يفقهون في مثل تلك الأمور.. قبل زمن طويل من طلوع الملازم القائد الخبير في سلاح الاشارة ونسف القبور وفي كل شئ ... فالمسألة لم تكن تنحصر في تدبير انقلاب عسكري بسيط ينتصر عند الفجر أو يفشل عند الغروب وينتهى الأمر، وانما كانت حربا حقيقية في مواجهة عدو شرس وفي ظروف غير متكافئة بالمرة. ولكن الجناحين السياسي والعسكري للمقاومة الليبية كانا يتحركان معا بأقصى درجة ممكنة من التنسيق فيما بينهما. وكان المقاتلون بالداخل يعتمدون على مواطنيهم اللاجئين في مصر لامدادهم بالمؤن الضرورية لاستمرار الصمود. ولم تتمكن قوات الغزو الايطالي من ايقاف المقاومة الا بعد أن نجحت في مدّ جدار من الأسلاك الشائكة عبر الحدود الليبية ـ المصرية، بحيت قطعت خطوط المواصلات والتموين والامدادات التي كانت ترد الى المجاهدين الليبيين من اخوانهم في مصر. كما أدى ذلك من ناحية أخرى الى تعطيل الاتصال بين كل من السيد ادريس والسيد عمر المختار.

        ولا نحسب أن ثمة أي داع لسرد تاريخ تلك الفترة بأكملها لمجرد الرد على افتراءات جندي متمرّد على نفس جيش التحرير الذي أنشأه السيد ادريس السنوسي والزعماء الوطنيون الليبيون في المهجر منذ حوالي نصف قرن. واذا كان من شأن التاريخ أن يعيد نفسه ـ كما يقال ـ فلربما يوما ستعود القوات المسحلة الليبية الى أصلها جيشا وطنيا خالصا لتحرير البلاد من تسلط الطغمة الفاشية العشائرية التي ألحقت بالجيش والشعب معا أبلغ الاهانة منذ انقلاب سبتمبر 1969 .

        ولعله يكفينا في هذا المجال أن نتذكر سوّيا ما حدث في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية. فالشعب الفرنسي لم ينكر على الجنرال ديغول أنه لجأ الى بريطانيا بعد أن اجتاحت بلاده جحافل النازية. فاسمعوا، من فضلكم، لأن هذا التاريخ قريب العهد نسبيا .. وهو لا يختلف كثيرا عن احدى مراحل تاريخنا الحديث. ففي 18 يونيو 1940 أنشأ ديغول في لندن هيئة عرفت باسم " اللجنة الوطنية المؤقتة للفرنسيين الأحرار" وكانت مهمتها التنسيق بين النشاط السياسي لأحرار فرنسا الفارين من الاضطهاد النازي في بلادهم وبين حركة المقاومة الفرنسية ضد سلطات الاحتلال والمتعاونين معها في الداخل .. أي في داخل فرنسا نفسها. ولما انتهت الحرب (برحيل قطار الموت المضحك) وعاد الجنرال ديغول الى بلاده استقبله الشعب الفرنسي استقبال الأبطال وأكرمه كقائد وزعيم وطني شجاع. ولم يطلع أي ملازم أو حتى عقيد حقيقي في الجيش الفرنسي لكي يتهم الرجل بأنه تخلى عن مواطنيه وهرب أو ليأخذ عليه أنه تعاون مع دولة أو دول أجنبية لطرد جيوش الغزو الهتلرية من أرض بلاده .. ان هذا لم يحدث حتى الآن على حد علمنا.

* * *

 

        ان شيخ شهدائنا أيضا عرف حياة الهجرة والمنفى .. و مازال يهاجر. لم يذق للاستقرار طعما حتى في "عصر الجماهير والانعتاق النهائي" ... فانظروا ما فعلنا به مؤخرا .

        شنقه الفاشيست في احدى قرانا الصغيرة أيام كنا مستعمرين، ولكنّا نقاوم. وعلى اثر الاستقلال، الذي توّج تضحيات مئات الألوف من أبطال شعبنا، أقمنا له ضريحا مهيبا في مدينة نعزّها تعرضت لألف غارة وغارة في الحرب. وأخيرا نقلنا جثمانه الى نفس البلدة القديمة التي أعدم فيها، فاغتلناه للمرة الثانية بعد أن تحولنا إلى شبه قطيع من السوائم تنهشه الكلاب البوليسية ويلعق جراحه صامتا ولا يقاوم، بينما زيّفنا تاريخه في لوحات اعلانات بليدة تطل منها صورة نجم سينمائي من المكسيك لم تكن تنقصه الدعاية بقدر ما كان انقلابنا التاريخي الهزيل متعطشا اليها. وكنا في كل تلك الأثناء نطلق اسم عمر المختار على بعض الشوارع الموحلة ومحلات البقالة والقرى التي مات فيها مرة أخرى على أيدينا القذرة .. ونسمي أنفسنا أحفاد عمر المختار في مباريات التفاخر الأبله برجولتنا المشكوك فيها. وانه لبرئ منا مثلما تبرأنا منه يوم انزعجت عظامه تحت أسماعنا وأبصارنا وهو ينفى من مثواه الاخير بأمر من رئيس عصابة الانقلاب القاتل .. أفما آن لهذا الشيخ المرهق أن يستريح من عبثنا، أيها السادة والاخوة المواطنون.. أيها الأبطال المغاوير، يا أحفاد عمر المختار؟!

        أبدا لن يستريح ... لن يستريح هذا الشيخ حتى يلحق القاتل بالقتيل .. حتى تغسل الأمطار وجه الأرض من أدران الفاشيّة الجديدة في بلادنا. أيامنا كلها أعياد. وآخرها عيد الثأر. فهل نسى الليبيون أنهم لم يروا سحنة الانقلابي الغدّار لأول مرة الا مستظلا بضريح عمر المختار في بنغازي.. وبعد أكثر من أسبوعين من تدنيس كل الأرض التي سقط المناضل العجوز دفاعا عن ترابها وضحى برأسه الأشيب في سبيل حرية أبنائها قبل أكثر من ثلاثين عاما؟ ... انهم يذكرون جيدا بلا ريب. وليس بمقدور أي ارهابي مغامر أن يضلل الشعب الليبي بعد اليوم أو يشوّه تاريخه أو يتطاول على أبطال بلاده. قد يتمكن من ارهاب البعض .. وقد ينجح في شراء بعض الذمم المعروضة للبيع في أسواق النخاسة، لكنه لن يستطيع ارغام هذا الشعب على الخضوع لحكمه البربري الفاسد من أصله وحتى النخاع.

        ان الواجهات البرّاقة لم تعد تخفي عن الأنظار حقيقة القبح الكامن خلفها. ولا يصلح العطّار ما أفسد الدهر. فالشعب الليبي الآن يعرف حق المعرفة أن الثورة المزعومة في بلاده مجرد اسم مستعار لانقلاب عسكري قمئ متفسّخ ينطلق مسرعا نحو هاوية السقوط المحقق. كما أدركت جماهير الشعب بالفعل أن ذلك الدكتاتور المتعجرف الذي نصّب نفسه قائدا "تاريخيا" وحاكما بأمره في غفلة عابرة من التاريخ لا يجيد في الواقع غير قيادة الرّعاع وبعض الأجراء من اللصوص والقتلة ومن أصحاب السوابق. فكل الناس يعلمون أن معلم الغوغاء صنم جاهل من صنع أجهزة الدعاية الوثنية التي غلفته بأوراق النقد وأعطته سبورة خضراء وقطعة من الطباشير وكتابا وجريدة .. وأن المفكر الثائر أكذوبة بالغة الضحالة يشتغل بنسجها وترويجها بعض الكسالى من هواة التسوّل الفكري وأدعياء التقدمية الذين يزخر بهم عالمنا اليوم ... لأن هذه النماذح والعينات وأمثالها من الأفاقين ليست قاصرة على مجتمعنا الليبي وحده، وهي لا تساوي قلامة ظفر في موازين الفكر الانساني الناضج والتقدم الحضاري الذي لابد أن تفرضه حتمية التاريخ ذاتها .

                        فالعصابات التي تطفو على السطح

                        فقاعات هواء ..

                        سوف تمضي مثلما جاءت،

                        ويبقى الكادحون الأمناء ..

 

(ويلاحظ القارئ أن " الأمناء " هنا لا علاقة لهم بتلك اللجان المبعثرة " في كل مكان " من ليبيا اليوم) .

* * *

 

        ان عمر المختار سيبقى شيخا لشهداء ليبيا ما لم تقدم شهيدا آخر أكبر منه سنا في معركتها الراهنة ضد صغار الفاشيست، وسوف يبقى كذلك واحدا من أبرز قادة السنوسية التاريخيين غصبا عن نباشي مدافن الشهداء ومحرّفي الحقائق. وقد كان السيد ادريس السنوسي رئيسا دستوريا شرعيا للدولة الديمقراطية الوحيدة التي قامت تعبيرا عن ارادة الشعب الليبي الحرّ لأول مرة في تاريخه الطويل .. وذلك أيضا رغم ادعاءات الحكم الدكتاتوري الحاضر وأعوانه ومؤيديه وأسواق النفط ومزاعم السماسرة والمغالطين. فليكن شغلنا الشاغل أن نسعى الى تبيّن وجه الحق، لأنه لا يصحّ ولا يدوم سواه.

        ولننتقل الآن الى جزء آخر من الخطاب الهمجي في الجبل الأخضر. ولنسخر معا بقدر الامكان .. فشرّ البليّة ما يضحك، أيها السادة الواطنون !

* * *

 

        عن الكلاب الضالة واللجان .. نبحت دار الاذاعة المحتلة للمرة المليون، معلنة بصوتها الشاحب أن راعي الذئاب الأليفة أكد في عيدها البهيج على (( ضرورة قطع رؤوس هؤلاء في أمريكا أو في المرّيخ )).. مشيرا الى رؤوس معارضيه بطبيعة الحال. وقد تناقلت وكالات الأنباء خبرا عاجلا مفاده أن أميركا ارتعدت فرائصها من الرعب، وأن وزارة الخارجية في كوكب المرّيخ المسالم بادرت بتقديم احتجاج شديد اللهجة على تهديدات العربيد المذكور. وتلعثم المذيع الليبي البائس، فيما اختلط عليه الأمر تماما، فاندفع يقول بنـزق على غير المعتاد : تلقى كوكب الثورة من الأخ قائد المريخ برقية تهنئة بعيد الثأر المبارك وطرد بقايا الليبيين من أول جماهيرية في التاريخ .

        قرص الكوكب المعنيّ أذن الاذاعة وأضاف قائلا : (( ان على العملاء أن يترقّبوا مصيرهم وان على الشعب الليبي أن يجهز نفسه لتصفية خصومه في أي مكان في الداخل والخارج. ونحن جادون ونخوض ملحمة خطيرة ))... وأدركت الحشود الضخمة بوضوح تام أن قطعان اللجان المطيعة قد تلقت لتوّها اشارة الانطلاق من قرية عمر المختار رأسا الى البدء في سلسلة أخرى من جرائم الاغتيال السياسي مع سبق الاصرار والترصد للقضاء على معارضي راعيها، وأنها لا تنوي المزاح لأنها مكلفة بالاقدام على احدى ملاحم التاريخ الكبرى.. وربما أخطر من الهلاليّة نفسها.

        فهكذا دأب القائد التاريخي الباسل. يحرّض على اشعال حرب البسوس وحرب داحس والغبراء في كل مكان.. يدير مكتبا حكوميا للتوريد والتصدير من دون رخصة.. يستخدم عشرات الباعة المتجولين.. يستورد المفرقعات والألعاب النارية، ويصدّر نوعا من الثورة المغشوشة.. ويعاني من عجز دائم في الميزان التجاري. يتحرّش بالجميع شرقا وغربا ويستفزّ الناس للعراك معه بكل الوسائل، لكنه أبدا لا يخوص المشاجرات بنفسه بل يدفع آخرين أو يشتريهم لحمايته والدفاع عنه ومحاربة خصومه .. يستغل الغير ويضحك على ذقون السّذج من أذنابه ومعجبيه الى حد اقناعهم بتنفيذ مشاريعه الفاضحة ضد مواطنيهم بالذات، بينما يندسّ هو في مخابئه العديدة لكي يظل دائما بمنأى عن الخطر الجسدي المباشر .

        وأعلن ـ قالت (الزحف الأخضر) مرة أخرى : (( اننا لازلنا نريد أن نرحمهم اذا ما جاؤا تائبين ورؤوسهم عارية وأرجلهم حافية وأيديهم مرفوعة أو خلفهم ويقولون نحن تبنا وكنا كلابا ونادمين )) .... وتلك بالضبط " شروط النسيب الكاره " التي يضرب بها المثل. لأن دعوة سخيفة كهذه لا يفكر في قبولها الا كلب حقيقي وغبي أيضا. فما دمت مطالبا بأن تهرول عبر الساحة الخضراء حاسر الرأس حافي القدمين في عزّ الشتاء، فان أقل ما يمكن أن تصاب به التهاب رئوي حاد يودي بحياتك قبل استكمال اجراءات التوبة المهينة .. فتصفي نفسك بنفسك مجانا. وحى لو قدّرت لك النجاة من هذا الفخ والافلات من لجنة الاستقبال يبقى أمامك كذلك أن تعترف على رؤوس الأشهاد بأنك جرو ضال وابن كلب وجدّك قرد وأنك تزمع التوبة كي تعيش مثل سلحفاة لا تطلع رأسها الا متى أمنت الزحف خلف قائد المسيرة العرجاء.

        ومضى فقال أن (( الشعب الليب يجب أن يصفى أعداءه أينما ذهبوا)) موضّحا أنه (( اعتبارا من الآن لا يجب أن يكون هذا من عمل اللجان الثورية فقط، لأنها احدى الأدوات)) ... ولم يكن أحد بحاجة الى التأكيد على أن اللجان المشار اليها مجرد أدوات صمّاء وألعوبة في يد قائدها .. ولكن شهد شاهد من أهلها. وقال أن هذا الموضوع يعرض على المؤتمرات الشعبية وتناقشه علنا (( لتسمع أمريكا ويسمع سفراء 44 دولة موجودون في هذا المكان ليكتبوا لبلدانهم ويقولوا لها أن تصفية أعداء الشعب الليبي في الخارج ستناقشها المؤتمرات الشعبية التي فيها كل الشعب الليبي ))... والظاهر أن ما يهمه في المقام الأول هو أن يثبت لأميركا والعالم أنه قادر على أن يجعل الليبيين يتصارعون فيما بينهم حتى الموت في حين يبقى شخصيا بمأمن يحميه من طائلة العقاب. فلا بأس أن يغتال المواطنون الليبيون بعضهم بعضا لمجرد أن تسمع به أميركا وغيرها، ظنّا منه أن العالم لم يعد يحترم غير السفاحين والقتلة.

        ان هذا السّحار العجيب هو الدكتاتور المعاصر الوحيد الذي يدّعي أنه خارج السلطة الفعلية منذ سنوات، ومع ذلك مازال بوسعه أن يقف خلف منصة للخطابة في أي وقت ليعلن مقدما كل ما يعتزم الشعب أن يقرّره أو لا يقرره خلال العام التالي على الأقل. فكيف يمكن للمرء تفسير مثل هذه الخارقة؟ في نفس الخطاب "التاريخي الهام" وفي نفس العيد وفي نفس القرية وفي نفس البلدية يؤكد القائد الفذّ أن ((الشعب الليبي قرر تصفية خصومه في الخارج )) ثم لا يلبث أن يستدرك قائلا (( ان تصفية أعداء الشعب الليبي في الخارج ستناقشها المؤتمرات الشعبية ))... فهل المسألة مجرد خطأ نحوي في تصريف الأفعال تحت وطأة الذهول التاريخي الذي قد يؤدي الى الخلط بين الماضي والمستقبل؟ .. أم أن الأمر ينطوي على كارثة أخطر من ذلك؟ .. بمعنى أن موافقة مؤتمراته الخاصة على قرار الترخيص بمزاولة الاجرام رسميا وتأميم الارهاب كانت مضمونة مسبقا وأن انعقاد تلك المؤتمرات لا يعدو أن يكون اجراءا صوريا لا يقدم ولا يؤخر .

        فكم عدد أفراد المؤتمرات الشعبية المزعومة؟ ... وكم لوحة زيتية تضمها جدران ما يسمى بمؤتمر الشعب العام الذي يحركه زعيم الانقلاب من داخل دائرة التلفزيون المغلقة ويوضح جدول أعماله ويملي عليه قراراته الجاهزة ويشرع في تنفيذها قبل اصدارها ويحفظ أرقام أنفاره عن ظهر قلب من الصفر المدوّر حتى الصفر الشمال ؟ ... ان هذه المؤتمرات أبعد ما تكون عن الأسلوب الديمقراطي شكلا ومضمونا. فهي انما تشكل بطريقة عشوائية تماما وفوضوية تحت اشراف البوليس السرّي ودوائر المخابرات، فضلا عن أن سير اجراءاتها يتنافى مع أبسط القواعد والأصول المتعارف عليها في أعمال المؤسسات الدستورية الحقيقة المنتخبة من قبل  الجماهير .. وليس فيها "كل الشعب الليبي" كما يزعم صاحبها، بل تقتصر عضويتها الفعلية على بعض العناصر المنتقاة بمعرفة الحكومة .. ومعظمها ـ ان لم تكن كلها ـ موالية لجهاز الحكم العسكري طوعا أو كرها وخاضعة لتعليمات زعيمه.

        واذا كانت من الغفلة بحيث تعتقد أنها تمثل الشعب الليبي حقا أو تعبر عن ارادته، فاننا ندعوها الى مراجعة كتيب تعليماتها الأخضر بالذات عسى أن تتذكر أنها قائمة من أساسها على قاعدة واهية جدا من المغالطات الصغيرة والتناقضات الواضحة. فلتقرأ باسم قائدها الذي علمها أنه "لا نيابة عن الشعب .. والتمثيل تدجيل" (على هاش  الصفحة التاسعة من الجزء الأول) ... لكي تدرك أنها لا تمثل في الواقع الا سخرية فجّة من فكرة الديمقراطية ذاتها .. ولتخجل من نفسها. وكفى مهاترة وتدجيلا على الشعب.

* * *

       

ان أسلحة الحمقى والطغاة ترتدّ الى نحورهم في النهاية. وان كل من يشارك في اضطهاد الشعب الليبي السّجين أو يتواطأ في ذلك على أي نحو مباشر أو غير مباشر لابد أن يواجه العواقب الوخيمة عاجلا أو آجلا.. ولابد أن يتحمل نصيبه كاملا من المسؤولية الرهيبة عن كبت حريات هذا الشعب، وعما يتعرض له أبناؤه من اهانات لا تغتفر ومن أعمال التعذيب الوحشي وسفك الدماء وانتهاك الحرمات وتسفيه المقدسات، وعن كافة الجرائم الفظيعة الأخرى التي ارتكبت وترتكب في حق المواطن الليبي يوميا منذ تكريس سيطرة الغوغاء كأداة لاستبداد الدكتاتورية الفردية والحكم البوليسي السافر في البلاد .

        واذا كان هذا النظام التعسّفي السئ السمعة ما زال مصرّا على التظاهر بأنه يملك في حوزته قوة لا تقهر ويستعرض عضلاته على الجماهير بحبس الأبرياء وتعذيبهم واغتيالهم داخل السجون والمعتقلات وفي المنافي البعيدة، فان تلك التظاهرات الدموية ليست دليل قوة على الاطلاق .. بل علامة ضعف وخور شديدين. وهي لا تعني شيئا سوى انحداره الى حضيض الجبن والنذالة. وذلك أن سلطة الانقلاب الحاكم وأدواته لا تواجه خصوما مسلحين في ظروف متكافئة، وانما تلجأ الى الغدر والخديعة وتلاحق العّزل وحدهم مستغلة كل ما يسعها تجنيده من أجهزة الارهاب والعملاء والمرتزقة الذين تدفع أجورهم بأموال مسروقة من الشعب الليبي نفسه.

        فالانقلاب، اذن، يتعاطى الجريمة العادية تماما مثل شتى العصابات المشابهة. ولعل الفارق الوحيد أن عصابات المافيا، مثلا، قد تعمد الى القتل بدافع الثأر أو الانتقام أو غير ذلك من الأسباب المعتادة الأخرى .. ولكنها لم تحاول قط أن تسمي نفسها قوة ثورية أو ثورة شعبية عظيمة ! ...

        واذا كان الملاحظ كذلك أن حكم الجريمة المنظّمة في ليبيا الآن لم يزل قادرا على شراء سكوت البعض باتباع أساليب المساومة الرخيصة على أية مصالح متبادلة، فمن الطبيعي أيضا أن مثل تلك المصالح قد تصبح في حد ذاتها موقوته بنهاية هذا النظام طالما كانت رعايتها تطيل من أجله على حساب الشعب الليبي في الوقت الحاضر. فالحكومات زائلة بطبعها، لكن الشعوب باقية بالضرورة .. وهي لا تنسى الاساءة دائما.

* * *

       

وختاما .. اذا كان ثمة من قد يتهمنا بمجافاة الذوق أحيانا في سياق معالجتنا لموضوع ذلك الخطاب البذئ والهبوط الى نفس مستواه، فاننا نود أن نطرح السؤال التالي المعقد نوعا: فلنفرض أولا أن بلدا ما قد سيطرت عليه منذ فترة مجموعة من فرق التعذيب والاعدام الخانعة كلية لسطلة قائد "تاريخي" معين توصل ـ على حد زعمه ـ الى وضع معادلة فلسفية كاملة في الصحراء لحل مشاكل العالم عن طريق تصفية مواطنيه، ولنفرض أيضا أن نفس الزعيم النابغة لم يزل يعامل من قبل البعض بمثابة رئيس دولة ذي فخامة ومقام رفيع ومازال البعض يخطبون وده لغاية في نفس يعقوب. ولنفرض أخيرا أن صاحب الفخامة الدولية هذا، بدلا من أن يسلك السلوك اللائق بالمكانة الفكرية الراقية التي يدعيها لنفسه، ولا يكف عن وصف خصومه السياسيين بالكلاب الضالة فيما يحرض صبيته في مطاردة كافة معارضيه واغتيالهم حيثما كانوا، ولا يتورع مطلقا عن نعت غير أتباعه بمختلف الألقاب والعبارات المقذعة التي يعرفها قاموس الاسفاف الموّسع في دائرة معارفه الضيقة ... فهل مثل هذا يستحق أي احترام من جانب مواطنيه أو غيرهم .. وسواء من باب مراعاة اللياقة الأدبية وحدها أو من أي باب آخر، أو حتى نافذة صغيرة ؟؟ ..

        والاجابة البسيطة التي تفرض نفسها هنا : أبدا ... لا يستحق . وانما يستأهل المعاملة بالمثل تماما، ولو من جانب مواطنيه على الأقل لأنهم أصحاب الشأن بالدرجة الأولى. فالداعي الى الجريمة لا يقل انحرافا عمن يرتكبها بالفعل .. بل ربما كان أسوأ. وآمر فرقة الاعدام ليس يعفيه من تبعات الفعل أنه لم ينصب المشنقة بنفسه أو يضغط على الزناد بيده في مواجهة القتيل .

    ان رئيس عصابة الأشقياء هو أشقاهم على الاطلاق .. بحكم المنصب والأقدمية !

ـــــــــــــــــــ

*  http://www.libya-almostakbal.net/MalaffatKhassa/mohammad_algzeeri181107.html

 

 

عودة إلى أعلى الصفحة

 

*   *   *

*

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

قراءة عاجلة في المقولات الخضر*

بقلم الأستاذ محمد القزيّري (رحمه الله)


اعداد وتقديم : هشام بن غلبون

24 نوفمبر 2007


 

"في الحاجة تكمن الحرية" : تعبير بليغ بارع الايجاز عن حقيقة بديهية متناهية الوضوح والبساطة.  وهنا بالضبط يكمن سرّ بريقه الأخاذ.  فقمة البلاغة عند العرب ما قل ودل.  والفصاحة حين تقترن بالايجاز كثيرا ما تضفي هالة سحرية عجيبة على أي كلام يقال بكل اللغات، ولا سيما اذا كان موضوع الحديث فكرة مجردة كالحرية أو غيرها من المفاهيم التي استعصت على التعريف الدقيق في جميع العصور.  فلو قلت مثلا : "في الحظيرة تكمن الدجاجة" أو "في الزريبة يكمن الفيل" تكون قد نطقت لتوك بجملة مفيدة لها نفس التركيب اللغوي أيضا . ولكن جملتك البائسة هذه، رغم أنها مفيدة نحويا، لا يمكن أن تحدث نفس الأثر وليست لها أية فائدة تذكر بالنسبة للجنس البشري.  وبالتالي فانك لا تستطيع أن تطالب الغير باتخاذها شعارا ثوريا أو اقحامها في تاريخ الفكر الانساني باعتبارها من الأقوال المأثورة والدرر النفيسة.

العبارة السالفة الذكر (أو المقولة أو الأطروحة الفلسفية أو سمّها ما شئت) وردت هكذا في حاشية الصفحة العشرين من الفصل الثاني من الكتاب الأخضر.  وجاء في متن الكتاب تعريف "الحاجة" محصورا باختصار شديد في حيّز صغير يضمه مستطيل مساحته 6,5 x 3 سم من النص المطبوع، وفيه يقول المؤلف بنفس البساطة المذهلة :

(ان حرية الانسان ناقصة اذا تحكم آخر في حاجته ... فالحاجة مشكل حقيقي، والصراع ينشأ من تحكم جهة ما في حاجات الانسان ) .

ان أحدا لا يستطيع أن ينتقص من قيمة مثل هذه النظرية الكامنة أو يفندها بأي حال.  فأنت لو أتيح لك التحكم في كسرة الخبز التي يحتاج اليها المؤلف ثم منعتها عنه، يصبح عبدا أو شبه عبد لك من الناحية الواقعية على الأقل وبالتالي تصبح حريته ناقصة للغاية وربما تنعدم نهائيا اذا كنت أنت، السيد المتحكم في حاجته، قاسيا غليظ القلب بحيث تركته يموت جوعا!.. ومع ذلك فان البلاغة عندما تستخدم لمجرد تمرير رأي ما على أساس أنه في حد ذاته قضية مسلّمة غير قابلة للجدل، فانها قد تغدو سلاحا ذا حدّين كلاهما قاتل لحرية الفكر.

ان بوسعك أن تأخذ كلمتين فقط من تلك الأطروحة الموجزة الفصيحة فتضع كلا منهما مكان الأخرى داخل نفس المستطيل الضيق دون ادخال أي تغيير على تركيبة الجملة ذاته، فتقلب المقولة كلها رأسا على عقب، اذ تعلن بالمقابل :

(ان حاجة الانسان ناقصة اذا تحكم آخر في حريته ... فالحرية مشكل حقيقي، والصراع ينشأ من تحكم جهة ما في حريات الانسان).

أي أنك لو وضعت المؤلف العبقري داخل قفص محكم الاغلاق أو زنزانة في الحبس الانفرادي وأغرقته بكل مخزون مؤسسة السلع التموينية والأسواق العامة، فان حاجته تظل ناقصة من الناحية النظرية على الأقل بل ربما تنعدم كل حاجاته بالضرورة اذا كان عنيدا الى حد الاضراب عن الطعام حتى الموت جوعا.. أو كان شرها حتى النفوق بالتخمة!.. ثم لا تنسى أنك لو حبسته على هذا النحو تكون قد تحكمت لا في حاجاته فحسب، بل في قضاء حاجته أيضا!!

فما رأي المؤلف، يا ترى، في هذا "الطرح" الجديد ؟.. لو رضي بالتنازل عن بعض كبريائه الفكري واعترف لك بصدق مقولتك هذه بغض النظر عن قضية الدجاجة والفيل فهنيئا لك!.. تستطيع أن تمضي في مشروعك الى آخر مداه، فتنسف كل الأفكار القديمة، وتلغي جميع النظريات السابقة، وتخلق حضارة طازجة، وتغرق في حل مشاكل البشرية الى أذنيك، ثم تضع نظريتك الثالثة والنصف بأي لون يروق لك.  ولكن اياك أن تخط على هامش الصفحة العشرين : "في الحرية تكمن الحاجة الأساسية" .. فليس بالفيديو وحده يحيا الانسان الليبي!

فأغلب الظن أن المؤلف الخطير سوف يبتسم لك في سخرية مشوبة بالشماتة، لأنك لا تملك المعدات وقطع الغيار اللازمة حتى لصنع نصف نظرية عالمية.  وفيما ينتابك شعور حاد بالتعاسة خوفا من ألا يسمح لك بمشاركته في وضع الحلول الجذرية لمشاكل البشرية المعذبة، يدعوك هو نفسه الى تأمل الفقرة الأخيرة في الفصل الأول من دفتره الواسع الانتشار بالمجان، حيث يصعقك قوله بالحرف الواحد : "هذه هي الديمقراطية الحقيقية من الناحية النظرية. أما من الناحية الواقعية فان الأقوياء دائما يحكمون.. أي أن الطرف الأقوى في المجتمع هو الذ يحكم". وبعد أن كنت "تحب أن تفهم فتدوخ" (على تعبير أحد المراقبين المحايدين) تنهال أمام عينيك مرة واحدة جميع قطع الأحجية الصغيرة على هيئة مقولات خضراء تأخذ مكانها الى جانب بعضها البعض الى أن تكتمل الصورة كلها في تناسق بديع.. فتفهم أن الأعزل ضعيف والمسلّح قوي والأكثر تسليحا أقوى، ومن يسيطر على الأسلحة الفتاكة ومفتاح الخزينة معا هو الأقوى.. وتعرف أن من يحكم هو الذي يتحكم في حاجتك فتنقص حريتك، أو يصادر حريتك للمنفعة العامة فتنتفي الحاجة الى وجودك أصلا.. أو أي هراء آخر مقلوب في أي اتجاه.  فالكلمات وحدها لايبقى لها ثمة أي مدلول حقيقي يهمك فهمه في سياق غطرسة القوة. وتستنتج وحدك، من دون كتاب، أن "الطرف الأقوى في المجتمع" هو الأبلغ أيضا.. وهو الأعقل.. وهو وحده الذي يقطر حكمة الى حين يفقد مصدر القوة أو يفقد رأسه أيهما كان أسبق!.. ويخطر ببالك أن المتنبي الجديد انما يعيد على مسامع الجمهور بلغة العصر مقولة سلفه القديم بأن "السيف أصدق أنباء من الكتب" الأمر الذي يجعلك تدوخ مرة أخرى متسائلا بحيرة بالغة : لماذا لم يقتصر على سوْق قواته "المجحفلة" ويدع الكتب الخضراء وشأنها؟.. أما كان يبدو أكثر انسجاما مع منحى فكره الجبار لو قال مثلا : "في الثقافة تكمن السخافة"؟!

تلجأ الى أحد العقول الالكترونية الغربية الصنع، طالبا منه تزويدك بقائمة مصغرة ألف مرة لمشاكل البشرية الليبية وحدها منذ صدور المؤلف فقط. فينهار العقل الآلي باكيا معلنا عجزه الكامل عن أداء تلك المهمة المستحيلة ويقول لك أنك، بصريح العبارة، أبله وأحمق اذا كنت تعتقد أن مشكلات الانسان الليبي في تعقيدها الأزلي يمكن حلها بأي شكل هزلي رغم أنه شخصيا (أي العقل الآلي) شديد الاعجاب بلون الكتاب وسلاسة أسلوبه وأناقة طبعه وتبويبه. فتلعن العقل الامبريالي المنافق، متهما اياه بالرياء وعدم الموضوعية وبأنه لا يخفي تحيزه الواضح للمؤلف طمعا في الحصول على "حاجته" من زيت التشحيم بثمن مخفف!.. ومن باب النكاية فيه وفيمن خلّفوه تذهب من ثم لاستشارة أحد الأدمغة الثقيلة التي تعمل في عكس اتجاه عقرب الساعة. فيلسعك مثل عقرب حقيقي، فيما يناولك نسخة من كتيب تعليماته الأحمر زاعما أنه طريق الخلاص النهائي من سائر معضلات الانسانية .. بما فيها صاحبك المؤلف اللامع نفسه!..

يعتريك اليأس. ترجع للكتاب. وآخر فقرة من فصله الثالث والأخير تحكي عن الرياضة الجماهيرية .. تقرأ فيها قوله : (أما الملاكمة والمصارعة بأنواعها فهي دليل على أن البشرية لم تتخلص بعد من كل السلوك الوحشي.. ولكن الأفراد المتحضرين أكثر من غيرهم والأرقى عقليا هم القادرون الآن على تجنب ذلك السلوك الوحشي ممارسة وتشجيعا).  ثم تطالع جرائد الصباح والمساء فتفاجأ في باب أخبار الجرائم الوحشية بأن بعض الثوار الذين أعدهم المؤلف بنفسه بمثابة "أفراد متحضرين أكثر من غيرهم وأرقى عقليا" مثله بالضبط هم القادرون الآن على سلوك أسلوب الاغتيال الغادر والارهاب المسلح "ممارسة وتشجيعا" . فيا للجحيم!.. هل يعني ذلك أن مدرب الرياضة الجماهيرية يستعد للاشتراك في دورة الألعاب الأولمبية بفريق من "السفّاحين" للمسافات الطويلة؟!..

ان مجرد نظرة سريعة عبر كل النظريات البراقة والتطبيق القاتل تكفي لاقناعك بأن الحرية مهما حوصرت يستحيل أن تكمن في محض عبارة بليغة بحجم اصبعين في كتاب.

ــــــــــــــــــــ

*  نشرت هذه المقالة في العدد الرابع (خاص) من مطبوعة "ليبيا العنقاء" بتاريخ أبريل 1982، وكان ذلك هو العدد الأخير من تلك المطبوعة.  ويمكن الإطلاع على صورة من أصل المقالة باتباع هذا الرابط:

  http://www.lcu-libya.co.uk/mixedarb.htm#lankaa

نشرت المقالة الأولى من سلسلة مقالات الراحل محمد القزيّري وعنوانها: " خواطر طائشة من وحي خطاب شرس أُلقي في أكتوبر 1982م"  على هذه الصفحة بتاريخ 18 نوفمبر 2007، ويمكن مطالعتها باتباع هذا الرابط:
 http://www.libya-almostakbal.net/MalaffatKhassa/mohammad_algzeeri181107.html

 

عودة إلى أعلى الصفحة

 

*   *   *

*

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قبض الريح..*

بقلم الأستاذ محمد القزيّري (رحمه الله)


اعداد وتقديم : هشام بن غلبون

 28 نوفمبر 2007


 

الجماهير تلعن جدّ الحكومة سرا لاختفاء الثوم من أسواقها، والبعض يهتف باسمها علناً تحت وطأة الخوف من لجانها.  ومنشورات سلطة العسكر باسم الشعب فرضت على المواطن العادي أن يدعو انقلابها الحاكم حتى الآن "ثورة شعبية" وعظيمة أيضا.. والاّ فقد وظيفته التي يكسب منها لقمة العيش وحدها (بعد هجرة البصل من دكان الحكومة)!.. ومن واقع الحال وصخب الاذاعة عوّدوه على تخيّل الثورة، في مفهومها المطلق، غولة سحّارة قبيحة ناتئة الأنياب تعضّه وتخلع قلبه هلعاً متىشاءت وحيثما كان.. فلا مهرب من لعنتها المقيمة.  وترسّبت في ذهنه الصورة بالخبرة والتكرار والتجربة الحيّة ومضى الوقت حتى كاد ينسى أن هذا الشبح المريع ليس في الواقع الا طاقماً من الأفراد لا هم يصنعون ثورة عظيمة.. ولا هم يحزنون!  فالثورة التي يصفونها زوراً بأنها جميلة ورائعة يراهم اليوم بعيني رأسه يرتكبون باسمها الجريمة المقزّزة، ولا يملك المواطن البائس المذعور حتى أن يشيح بوجهه عن بشاعتها لئلاّ يقال عنه أنه قد أغضب الساحرة الرهيبة.  والثورة الحلم التي تملأ الأرض عدلاً لم تبق منها غير صورة مهزوزة في عقله القديم طمست معالمها الأزوقة الخضراء والدماء.

ونفس هذا المواطن العادي لم يعد يرى في شعبه مجموعة من المواطنين مثله بالضبط، إذ يشاركونه نفس الهموم وكل التعاسة، لكن راح يرمقه من بعيد كأنما هو مخلوق خرافي منفصل عنه قائم بذاته ليست له به علاقة عضوية مباشرة.  فقد يقول لك أن الشعب تافه.. عظيم.. بطل..  جبان.. حسب ما يترائى له وحده من وضعه المزري ومن نظرته القصيرة المدى ومن أحكامه العفوية التي يطلقها بلا حساب.  والحاصل المحزن الملحوظ أن هذا الشعب (ربما بفعل ما يعانيه المواطن الفرد من قهر نفسي عنيف) أصبح في عيون بنيه كائناً غريباً غائم الملامح لا تربطهم به سوى وحدة لقب وقطعة أرض مشتركة.  فالشعب ليبي، والمواطن ليبي بالمثل.. وحلقة الوصل بينهما إدراة الجوازات والسجل العقاري فقط! 

والفرد الليبي أيضا يصفّق في الخفاء لفكرة المعارضة نكاية في الكاهنة، لكنه ينأى عن الممارسة كجرب مخيف.. لأنها متعبة ومزعجة وربما تودي به إلى الهلاك في المواجهة.  وهو في محاولاته لعزل نفسه عن المأساة، قدر المستطاع، انما يغرق في الوهم المريح بالسعادة الغامرة التي لا بد أن تحملها يوماً إليه الريح!!.. فالتصدّي العملي لقوى السحّارة المهولة يبدو له ـ كشعبه الذي يراه بطلاً ولا يراه، ومثل الانقلاب العسكري مدّعي الثورة ـ شيئاً غامضاً بعيد المنال، ومن الأفضل أن يتركه للغير بينما يظل هو في انتظار ما تأتي به الأقدار ونتائج الأحداث.  ومقاومة الغولة التي تخنقه بالفعل مسألة تطربه توقعاتها.. يريدها بكل ما يملك من تمنيات طيبة، لكنه لا يستطيع أن يحس أنها تعنيه بالتفصيل شخصياً. فلا يقحم نفسه فيها، ولكن يتعاطف!.. 

والسيد المواطن يعرف في قرارة نفسه أن أبناء الساحرة لم يتركوا له الخيار.  فإمّا أن يتستّر مثلهم تماماً خلف برقع الثورية المزيّفة كي يضمن السلامة المؤقّتة، وإما أن يضربوه كلما حاول أن يرفع رأسه المحنيّ من فرط العذاب.  فهو إما تابع للانقلاب، وإمّا غير راضٍ عما يرى ويسمع حوله.. وبالتالي يعد معارضاً شاء أم أبى.  ويبقى أمام المواطن السيد في النهاية أحد أمرين : أن يفطن أو لا يفطن إلى أنه لابد أن يؤدي دوره ان كان في نيته الخروج من قوقعة الرعب إلى برّ الأمان.  ولن يجديه أن يظل في انتظار بطل مثل أبي زيد الهلالي ليصرع له العفريت في غيابه بالضربة القاضية الأكيدة.  فهل سمعتم أحداً صفّق بيد وحيدة ؟!

إن لم يعِ المواطنون الرافضون للسحر وللغيلان وللبطولات الخرافية هذه الحقيقة المسطّحة، فلن يأتي أبوزيد وكلهم أحياء!.. والوقت انما يضيع من أعمارهم ومن مستقبل الأجيال.

 

ــــــــــــــــــــ

*  نشرت هذه المقالة في العدد الرابع (خاص) من مطبوعة "ليبيا العنقاء" بتاريخ أبريل 1982، وكان ذلك هو العدد الأخير من تلك المطبوعة.  ويمكن الإطلاع على صورة من أصل المقالة باتباع هذا الرابط:

  http://www.lcu-libya.co.uk/mixedarb.htm#lankaa

 
نشرت المقالة الأولى من سلسلة مقالات الراحل محمد القزيّري وعنوانها: " خواطر طائشة من وحي خطاب شرس أُلقي في أكتوبر 1982م"  على هذه الصفحة بتاريخ 18 نوفمبر 2007، ويمكن مطالعتها باتباع هذا الرابط:
http://www.libya-watanona.com/adab/mgzeeri/mg18117a.htm
 
كما نشرت المقالة الثانية من هذه السلسلة وعنوانها "قراءة عاجلة في المقولات الخضر" بتاريخ 24 نوفمبر ويمكن مطالعتها باتباع هذا الرابط: http://www.libya-watanona.com/adab/mgzeeri/mg24117a.htm
 

 

عودة إلى أعلى الصفحة

 

*   *   *   *   *

*   *   *

*

 

 
 
 

 

 

 

Copyright 1999 LCU. All rights reserved.
Revised: August 19, 2014 .