Click Here For English Menu 
 

 

 

 

http://www.libyanconstitutionalunion.net  

 

www.libyanconstitutionalunion.org

&

http://www.lcu-libya.co.uk

 

 


 

(الجزء الرابع) (الجزء الثالث) (الجزء الثاني)

(الجزء الأول)

       
(الجزء الثامن) (الجزء السابع) (الجزء السادس)

(الجزء الخامس)

       
 

 

 

 

 

(الجزء الخامس)

 

حقائق حول موقف الشيخ محمد بن غلبون من الملك ادريس (رحمه الله)

نشر في صفحة انصاف بن غلبون Ensaf Benghalbon. على فيس بوك بتاريخ (05/10/2019)

مقدمة:-

 

يقول أخي الشيخ محمد حفظه الله في هذا الجزء (الخامس):

قدمنا في الأجزاء (الأربعة) السابقة معلومات موثقة- دللنا بها على أن ما تعاني منه بلادنا اليوم من دمار وخراب وتشظّي -وما ينتظرها من تفتيت- لم يأت بمحض الصدفة، ولا انه مجرد نتيجة طبيعية لسوء إدارة وانعدام كفاءة وحكمة القاصرين الذين تبوؤا المناصب القيادية وتصدروا المشهد السياسي منذ أن انتفض الشعب الليبي في ملحمة فبراير العارمة التي نال بها حريته واسترجع فيها كرامته.

فقدمنا ما بحوزتنا من معلومات جمّعناها خلال تجربة مواجهتنا العلنية مع القذافي ونظامه والتي فرضت علينا التعاطي مع اللاعبين الأكبر (من القذافي) والمسؤلون الحقيقيون عن مأساة بلادنا وانهيار تجربتها قصيرة الأمد مع الاستقلال وحكم الدستور والأمن والاستقرار التي بدأت في 24 ديسمبر 1951، وأُجهضت فجر الأول من سبتمبر 1969. وقدمنا كذلك وثائق تدعم ما ذهبنا إليه، مرفقة باستقراءاتنا المسبقة لهذه الكارثة. وذلك بغرض التنبيه والتحذير لعلها تفيد في انقاذ ما يمكن انقاذه قبل فوات الأوان -بالكامل- وكذلك لتُضاف إلى ما عند غيرنا ليستفيد منها المؤرخون الحقيقيون الجادون الذين تهمهم مصلحة البلاد. وذلك لقناعتنا الراسخة بأن أي استنطاق للأحداث لابد وأن يتم من خلال قراءتها في سياقاتها التاريخية والسياسية الصحيحة، ومحاولة مناّ لدحض السذاجة التي ينتهجها البعض بأن الأمور تحدث بالصدفة، أو أنها مجموعة صدف وملابسات تُنتج بعضها البعض، وهو أمر لا يحدث إلا في عالمنا الثالث المظلم الذي تُعطّل فيه العقول، أما العوالم المستنيرة المتحضرة القوية المتنفذة التي تقود العالم وتتحكم في مصائر شعوبه وثرواتهم فإنهم يخططون لعشرات السنين المستقبلية، ويهيؤون المناخ، ويجهزون الأرضية لتحقيق مآربهم وإنجاح مخططاتهم.

 

وقبل أن أسترسل في سرد ما بجعبتي هذه المرة يضيف الشيخ محمد- فإنني أقول لمن مازال يعتقد بأن وصول "رهط الأشقياء" إلى سدة الحكم في ليبيا وإطاحتهم بعرش مليكها الصالح كان بمحض الصدفة، فعليه أن يتوقف عن متابعة قراءة هذا الجزء وما سيليه لأنه سيضيع وقته ويُربك تفكيره، فالقادم مزيد من التحليل والاستقراء والاستنتاج المبني على معلومات وحقائق يتم تجميعها لتركيب الصورة قطعةً قطعة مثلما يتم تجميع القطع المبعثرة في لعبة الأحجية وتركيبها للوصول إلى الصورة الكاملة.

 

سألت الشيخ محمد عن ما دأب عليه في السنوات الأخيرة قبيل انتفاضة فبراير وانهيار عهد القذافي من مخاطبته للقذافي -مباشرة- في عدة مناسبات عبر المواقع الليبية التي كان الليبيون يداومون على قراءتها في تلك الأيام ("ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل") بكلام كان يبدو مبهما، وكأنك كنت توجه إليه رسائل خاصةمشفّرة- كانت مبعث حيرة عند كثير من المتابعين لما تكتبون وتنشرون على تلك المواقع.

فعلى سبيل المثال قلت له مهددا- في رسالة بعنوان: (("خطاب موجّه لمعمر القذافي  ... فقط")) نشرته في موقع ليبيا وطننا بتاريخ 7 يناير 2010 هذا رابط يقود إليه :

 http://www.libya-watanona.com/news/lcu/lc070110a.htm

((...وليس إلا النور يستطيع أن يقوّض صياصيك بأن يبزغ فوقها فيبدّد الظلمات التي تغوص في أعماقها وتتقوّى بها، وعندئذ سينتقل عرش الظلمات إلى مكان مظلم آخر "ويتركك أعزل تواجه الشعب المطالب بثاراته"))

 

ثم ألحقت ذلك بخطاب تابع له نشرته على موقع "ليبيا وطننا" بتاريخ 9 أكتوبر 2010 تكلمت فيه عن "هويّة أبائه الروحانيين"، "وازدواجية خلقه"، و "سلالة روحانيته النادرة"، و "مملكة الظلمات" فقلت له فيه :

((.... فقدت الرغبة في الاستمرار في الكتابة لك عن مملكة الظلمات وعن ازدواجية خلقك وسلالة روحانيّـتك النادرة اللتين مكّنا بتظافرهما من جمع الظلمات كلها باختلاف أنواعها تحت عرش واحد وقد كانت متفرّقة تحت عروش متعددة، وهي ظاهرة نادرة الحدوث ولكنها ليست الأولى في تاريخ البشرية، ولن أكتب لك عن سابقاتها، ولا عن هويّة أبائك الروحانيين، لأنك تسئ الفهم وتستنتج ما يحلو لك، مما لا يليق بموضوع دقيق مثل هذا.....))

  http://www.libyanconstitutionalunion.org/kofkings.htm#3rdltr2G

 

وذلك بعد أن تحدثت في أول مقال من تلك السلسلة بعنوان: (وماذا بعد الأربعين إلا التوريث ؟) والذي نشرته في كل من "ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" بتاريخ 19/09/2009 عن:

 ((منهجه القديم الذي أفرزه تخبّطه في دهاليز عالم الظلمات باحثاً عن ذاته ومحاولاً حلّ رموز قَدَرِه وفهم أسباب تصادم مكونات شخصيته التي كانت تقضّ مضجعه وتنغّص عيشه حتى تمكن أخيراً على أشلاء قرابينه من الليبيين وإيقاع صراخ وتأوّهات الأحياء منهم من التعرّف على نفسه والتمكّن من قوى الظلام واتقان طلاسمه بدرجة عالية جداً خضع لها ملوك ذلك السُّـفْـل التقليديون فتخلّوا له عن "التاج" و"الخاتم" و"الصولجان"، وبايعوه ملكاً عليهم، وأعطته المقدرة على التأثير في إرادة ملوك وزعماء العرب والعالم، وإرباكهم وتكدير صفوهم إن تصادموا معه أو حتى حاولوا اعتزاله))   http://www.libyanconstitutionalunion.org/kofkings.htm#aftr40

فهل لك أن تلقي بعض الضوء عن تلك الرسائل "الموجهة" ؟

 

أجاب الشيخ محمد بالقول :

بدايةً دعيني أذكّر كذلك بالرسالة المفتوحة التي وجهتها له بعد 10 أيام من اندلاع ثورة فبراير، [ونشرت مقتطفات منها صحيفة القدس العربي بتاريخ 28 فبراير 2011 - انظر الرابط أدناه]، عقب خطابه يوم 25 فبراير من فوق سطح السرايا الحمراء الذي بدا فيه فاقدا لصوابه تماما ومهددا بفتح مخازن السلاح وتحويل البلاد إلى ما أسماه "نار حمراء" و"كتلة من الجمر". وهذا تحديدا ما هددني به ذلك المسؤول الأمريكي الذي تحدثت عنه في الجزء الثالث من هذا السرد حين قال لي بالحرف الواحد :

(("إنه شخصياً يظن أن حماماً من الدم هو ما يحتاجه الشعب الليبي ليغتسل من خموله وغطرسته ليصبح أجدر بالتمتع بالثروة التي تفجرت تحت أقدامه من دون استحقاق")).

فكانت كلمات تهديد ذلك المسؤول ترن في أذني وأنا أرى القذافي وقد دُفع إلى حافة الجنون الانتحاري المدمر، وعرفت أنه سيقدم على ارتكاب تلك الجريمة وفتح أبواب الجحيم على مصرعيه وإشعال النار التي لن يتمكن أحد من إطفائها قبل أن تحرق الأخضر واليابس ويشيب من هولها الجنين. فوجهت له تلك البرقية العلنية في مسعى أخير لاستنهاض ما يزعم أنصاره بأنه ذو نخوة وعصبية وحرص على مصلحة الوطن، لا نراها نحن المعارضين الكارهين له، لعلهم يكونون محقين في ذلك، فتلك النقطة كانت عندي هي مفترق الطريق الذي قد يؤدي إلى دمار الوطن وبداية النهاية لليبيا كما نعرفها. وعسى أن يثنيه ذلك أو يعين أعوانه وأبناء قبيلته على إقناعه بمغبة ذلك عليه وعلى أبناءه وعشيرته من بعده فناشدته في آخرها بالقول:

((أفِق وخيِّب ظنهم ولا تُمكنّهم من تنفيذ مخططهم وانتقامهم واربأ بنفسك وأولادك وقبيلتك أن تُسجَّـلوا في التاريخ أنكم الأداة التي حوّل بها الصهاينة ليبيا إلى جمر انتقاما لخروجهم منها وحرمانهم من ثروتها.))...

من الضروري جدا الاطلاع على النص الكامل لتلك البرقية

 http://www.libya-watanona.com/news/lcu/lc280211a.htm

 

النص الكامل لـ "برقية مفتوحة من محمد بن غلبون رئيس الاتحاد الدستوري الليبي للعـقيد القذافي

بتاريخ 27 فبراير 2011

((إن ما تهدد به الآن من إشعال حرب أهلية وتحويل ليبيا إلى "نار حمراء و"كتلة من الجمر"، معتقدا أنه المخرج من ورطتك أو الانتقام من خصومك، ليس مفاجأة لنا، فقد سبق لي الإشارة إليه في لقاء مع جريدة "الشرق الأوسط" نُشر في عددها رقم 4973 المؤرخ 10 يوليو 1992 [1]. كذلك هو نفس ما اعترف لي به تحت سلطان الغضب- أحد هؤلاء المخططين للشأن الليبي في أمريكا. وقد أرّخت لذلك في نهاية مقال نشرته في جريدة "الحياة" بعنوان "لقاءات حذرة بين الاتحاد الدستوري الليبي والسلطة الأمريكية: أوراق مرحلة" في عددها المؤرخ 29 أغسطس 2005 [2] فهذا بعينه ما يخطط له منذ عقود- ضباط وكالة الاستخبارات الأمريكية الـ  CIA  الذين يتحكمون في علاقات أمريكا مع ليبيا - وأغلبهم من الأمريكيين الصهاينة - للانتقام من الشعب الليبي عما حدث ليهود ليبيا كتداعيات لحرب سنة 1967.

وقد استعملوك دائماً لوضع الأسس لمخططهم الانتقامي عن طريق دراستهم الدقيقة والعميقة لنفسيتك، واستعمال ذلك بحِرَفيّة شيطانية لتسخيرك لفعل ما يريدون بدون أن تشعر، بل تظن أنه ضروري لمصلحتك الشخصية أو الوطنية. وقد جاء الآن الوقت المناسب في ظنهم- لاتخاذ الخطوة الأخيرة في تنفيذ ذلك المخطّط الجهنمي والتي سُربت لك عن طريق توني بليربحسب ما صرّح به نجلك الساعدي القذافي للصحفي دافيد أوين يوم الجمعة الماضي- من أن قوات النيتو تعدّ العدّة لغزو ليبيا مما دفعك لفتح مخازن السلاح على مصراعيها وجعلها في متناول القبائل بغرض الدفاع عن الوطن.

أفِق وخيِّب ظنهم ولا تُمكنّهم من تنفيذ مخططهم وانتقامهم واربأ بنفسك وأولادك وقبيلتك أن تُسجَّـلوا في التاريخ أنكم الأداة التي حوّل بها الصهاينة ليبيا إلى جمر انتقاما لخروجهم منها وحرمانهم من ثروتها)).

والله من ورائهم محيط

محمد بن غلبون

رئيس الاتحاد الدستوري الليبي

24 ربيع أول 1432 الموافق 27 فبراير 2011

[1]  http://www.libyanconstitutionalunion.org/civilwar.htm

[2] http://www.libyanconstitutionalunion.org/hyatrtcl.htm

 

وبطبيعة الحال لم يكترث القذافي بذلك التنبيه، ومضى في تأدية دوره المنوط به كما هو مخطط له بأدق التفاصيل وأكثرها دموية وشراسة. ولم يكن ذلك مستغربا بالنسبة لنا، وأن ما كان يظنه أتباعه وأنصاره من أنه رجل وطني وأنه ذا نخوة ورجولة وشجاعة ما هي إلا أوهام وتزيين للباطل وانحياز أعمى له. ولكنها كانت بالنسبة لنا خطوة كان من الضروري أـن نتخذها من باب المعذرة إلى الوطن، وكذلك من باب إقامة الحجة عليه عند المولى عز وجل لتجريده من سلطانه الذي يتسيّد به على رقاب العباد وتخضع له به الأسباب.

 

فبالنسبة لنا معمر القذافي لم يكن شخصية اعتيادية، ولا مجرد حاكم ظالم أو طاغية جائر كالذين تعج بهم كُتب التاريخ عبر العصور، ولكنه كان "خَلقةً ظُلُمانية" نادرة تجمع بين إنسان له جسد وعقل ولسان (وما إلى ذلك من صفات البشر)، ولكن بروحانية شيطانية تكاملت في المراحل الأخيرة من حياته بعد أن أشبعها بما تحتاجه من صراخ وأنين البشر الذين يعذبهم ويذلهم ويقهرهم في أقبية ودهاليز سجونه لهذا الغرض. فاستحوذت عليه وعلى تصرفاته وقراراته بالكامل ومنحته القدرات الخارقة التي تعرّف عليها واستمرئها وأخضع بها ملوك العالم السفلي في أفريقيا لسلطانه، فألبسوه "الخاتم" و"التاج" وسلموه "الصولجان" فيما يبدو لمعظم المراقبين بأنه ضرب من الجنون أوفيلما من أفلام الرعب التي تمتزج بالكوميديا السوداء، ولكنها حقيقة أغرب من الخيال. وبالرغم من شذوذها إلا أنها ليست فريدة من نوعها فالتاريخ حافل بهكذا طفرات ليس هنا مجال الخوض في دهاليزها لأننا عندنا ما هو أهم لتفصيله لنصل إلى النتيجة.

وبصرف النظر عمّن سيقبل هذه التحليلات أو يرفضها، فهناك حقائق ثابتة لا تقبل الجدل، وهي ما سأحاول التركيز عليها.

وقد كان أقرب ما يفسر به الليبيون والمنذهلون بوضوح سلطانه وغلبته على خصومه في ذلك الوقت هو أنه كان يمارس السحر، أو أنه يستأجر كبار سحرة العالم لقهر خصومه و إخضاعهم، وهو اجتهاد غير خاطئ ولكنه غير كامل، فالحقيقة أدهى وأكبر من ذلك بكثير.

 

وقد حذّرته في ذات الخطاب بلغة لن يفهمها إلا هو (ولذلك اخترت له عنوان "خطاب موجّه لمعمر القذافي ... فقط") ... وكناّ نعلم أنه يقرأ تلك الرسائل، فقلت له بالحرف الواحد:

 

((....عليك أن تمنع المكابرة من الأخذ بزمام قرارك فترفع العلم الليبي ذو الألوان الثلاثة الأحمر والأسود والأخضر بنجمته وهلاله على البلاد، وأن تعيدها لحكم الدستور، دستور 1951 ليس سواه. "فإن هذا الأمر آتٍ لا محالةوإن لم تفعله بنفسك فسيكون من بعدك، ولكن على غير ما تشتهي كما سبق وأن شرحت في "ماذا بعد الأربعين إلا التوريث". ..... فهل سيمنعك ادعاء الثورية من ذلك وقد تربّعت على عرشٍ آخر ولبست تاجه. افعل ذلك من أجل مصلحة أبنائك فإن مصلحة الوطن ليست من قضاياك ولم تكن يوماً من الأمور التي تهمك، وربما التقت مصالح الأعداء.))

ثم زدته القول:

((اعتق هذا الشعب واعطِه فرصة بعد أن انتفَت حاجتك إلى قرابين بشرية، واستغنيت عن صراخ الألم وآهات الهمّ والبؤس بتربّعك على ذروة سنام "مملكة الظلمات". فقد استتب لك الأمر بإحكام قبضتك على زمام القوى الظلمانية، وأنت على ثقة من أنه لا أحد يستطيع تحدّيك أو مقارعتك الآن أو ينال منك كائناً من كان.))

 

ثم ختمت بالقول الصريح:

((ولكن اسمعني جيداً، فسأقول ما لا يعني أحد سواك :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ"

 

إن سنة الله في خلقه أن الظلمات هي الأخرى "جَعْلٌ إلَهيٌ" كما النور، وأنها تقتضي أن تلك الظلمات يلزمها ملك يجلس على عرشها ليسوسها ويمسك بأزمّتها - شأنها شأن أي شئ آخر في هذه الخليقة - فإن لم تكن أنت ذلك الملك فسيكون غيرك لا محالة. وإن استتباب أمر مملكة الظلمات يكمن في إدراك تبعيّة الظلمات للنور والتصرف من هذا المنطلق حتى لا يستشري الفساد فيوجب خلعك.

وليس إلا النور يستطيع أن يقوّض صياصيك بأن يبزغ فوقها فيبدّد الظلمات التي تغوص في أعماقها وتتقوّى بها، وعندئذ سينتقل عرش الظلمات إلى مكان مظلم آخر ويتركك أعزل تواجه الشعب المطالب بثاراته.))

 

كان من الضروري دس هذه "الرسائل الموجهة" في مقالات علنية يقرأها الجميعأعترف بأن بعضها كان طويلا- وقد كنا نختلق لها المناسبات ومواضيع الساعة لتمريرها له لأننا لم يكن لنا قنوات اتصال مباشرة بالقذافي، وكان نشرها بمفردها سيبدو غريبا بل شاذّا- فلم يكن غيرنا والقذافي والقليل ممن لهم وعيٌ بمثل هذه الخفايا قادرون على فهم ما يُكتب، أو على الأقل متابعته بعقلية منفتحة وبدون القفز إلى التهجم والتشكيك والسخرية والسباب والشتم التي كانت سمة تلك المرحلة، حيث كان الفراغ والإحباط قد استحوذ على الناس فصاروا مثل جراب الثعابين، ليس لهم إلا لدغ بعضم البعض.

 

وكان منطلقنا في ذلك أن "إقامة الحجة" تستوجب أن يُمنح الفرصة ليراجع ويتراجع فيجنّب البلاد والعباد الجحيم الذي كان يتربّص بها. ولكنه شقيٌّ... وُلد شقيّا... وعاش شقيّاً... ومات شقيّاً... وترك شقاءً سيستمر لإجيالٍ طويلة مقترنة باسمه وترِكتِه!!!

 

 

ثم كان دعاء طواف الافاضة لموسم الحج لسنة 1431هـ الموافق ليوم 24 نوفمبر 2010، والذي كان بمثابة "تظلّم" للمولى عزّ وجل لاستمطار "النور" الذي من شأنه وحده - أن يبدد تلك الظلمات فيرى الناس مخرجهم من ذلك القمقم الذي طمرهم فيه ذلك الشيطان لأكثر من أربعة قرون، ويجدوا في أنفسهم العزيمة والإرادة التي جرّدهم منها سلطانه الظلماني، والمدد الذي يقوّيهم ويسدد رميهم وينصرهم ويبطل سطوته عليهم. وقد ختمت ذلك الدعاء/التظلّم بالقول الشعبي المأثور "عجّل بشيله قبل مايفوتن ثلاثين ليلة" للتعبير عن رجاء الاستعجال، فلا يجوز الدعاء وشرط التوقيت، فذلك يُعد من باب سوء الأدب مع الله.

 

 

وهذا نص ذلك الدعاء بالكامل الذي نشر في موقعي "ليبيا المستقبل" و "ليبيا وطننا" بتاريخ 26/11/2010، وبالإمكان الاطلاع على نسخة منه باتباع هذا الرابط:

 http://www.libyanconstitutionalunion.org/kofkings.htm#tadalum

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تظلُّم [1]

 

اللهمّ لقد جثم عرش الظلمات على وطني عدّة عقود متوّج فوقه شخص يحكم بإرتجال وبلا هدف محدّد سوى البقاء في السلطة - فدمّر البلاد وأفسد نفوس العباد واستخفّ عقولهم، وليس في مقدور مخلوق تغيير هذا الوضع النادر.

 

اللهمّ إنه عندما تُوِّجت ملكة سبأ [2] فوق عرش جُمعت تحته جميع الظلمات لم يستطع تغيير ذلك الوضع إلا سليمان بن داوود -عليهما السلام- وهو النبي المرسل وارث مُلك الدنيا وخلافة الله في الأرض، حيث جمع بما مكّنته منه بين عرشه عرش النور - وعرشها عرش الظلمات- في ديوان واحد تحت تاجه صلى الله عليه وسلم، وذلك هو الحكم الذي لا ينبغي لأحد من بعده.

فكيف نستطيع نحن تغيير حالنا ولم يعد بيننا رجل رشيد واحد ناهيك عن حكيم خليفة نبي مرسل يخضع لسلطانه الإنس والجن والشياطين والريح والطير.

 

اللهم إن استجابتك لدعوة سيدنا سليمان عليه السلام قد حجّرت على أصحاب النور من بعده التحكّم في عرش الظلمات متى اجتمعت كلها تحت تاج واحد، ولم يعُد بإمكانهم إلا السيطرة عليها متفرّقة كلّ ظلمة أو اثنتين تحت سلطان ظالم مختلف في مكان مختلف، وإنني على ثقة من أن صالحيّ ليبيا قادرون على احتواء نصيبها من الظلمات ومحوها بأنوارهم كما فعلوا دائماً، أما كلها مجتمعة فمحال.

 

اللهم ليس غيرك يقدر على كشف هذه الظاهرة عن بلادي، وقد عوّدتها على نجدتك، وانني من هذه البقعة المباركة أدعوك ربي دعاء مضطرّ أن :

 

" تعجّل بشيله قبل مايفوتن ثلاثين ليلة" [3].

محمد بن غلبون

رئيس الاتحاد الدستوري الليبي

chairman@libyanconstitutionalunion.org

 


1).أثناء آدائي لطواف الإفاضة بعد ظهر يوم الأربعاء 24 نوفمبر 2010 في موسم الحج لعام 1431هـ

2) قد أكتب ما أعرفه عن أوجه التشابه بين صاحب سبتمبر وملكة سبأ في وقت لاحق.

3) الشطر الأخير من قصيدة "مابي مرض غير دار العقيلة" للشاعر رجب بوحويش (رحمه الله).

قبل أن نغادر هذا الموضوع الشائك والحساس، والذي بلاشك سيربك تفكير الكثيرين، ولكنه سينير رؤية "أولي الألباب" منهم، لابد من الربط بين ما كان يقوم به القذافي من تعذيب للبشر لإشباع روحانيته الشيطانية بآهاتهم وصراخهم وعذابهم فيستقوي بها سلطانه عليهم ويقهرهم بها، هو ذاته ما تقوم به اسرائيل مع الفلسطينيين بملء سجونها باللآف منهم بدون جرائم ولا أحكام قضائية وتعذيبهم وبث البؤس والتعاسة والقنوط في نفوسهم، ونفوس ذويهم خارج السجون لتغذية ذات القوى الشيطانية وإشباعها من ألامهم وصراخهم وأنينهم وهو ما يفسر بعض سيادتها عليهم ومآل جميع محاولاتهم الباسلة البطولية المتكررة عبر العقود الأخيرة لاسترداد حقوقهم بالفشل.

 

   

 

عودة لأعلى الصفحة

 

 

 

(الجزء السادس)

 

حقائق حول موقف الشيخ محمد بن غلبون من الملك ادريس (رحمه الله)

نشر في صفحة انصاف بن غلبون Ensaf Benghalbon. على فيس بوك بتاريخ (24/10/2019)

سوف أتحدث اليوم مرة أخرى عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي (الذي مرت يوم السابع من أكتوبر الجاري الذكرى الـ 38 للإعلان عن تأسيسه)، وعن مؤسسيه ومن ساهم وشارك في تأسيسه، وذلك لتوثيق وإيفاء كل ذي حق حقه، لأنني لا أعتقد أنني سأعود للحديث في هذا الموضوع مرة أخرى بعد الانتهاء من هذا السرد الذي "سحبتيني" إليه... قال لي شقيقي الشيخ محمد حفظه الله أثناء لقاءنا لإعداد هذا الجزء (السادس)، ولكن بدون التقيّد بصيغة سؤال وجواب، بل بصيغة "الهدرزة" الحرة التي لا تتقيد بضرورة السرد المتواتر زمنيا، والذي أعتذر مسبقا عن أنه سيكون أطول من سابقاته نظرا لحساسية ما سأتناوله فيه.

عندما عقدت العزم على إعلان المعارضة لنظام القذافي سنة 1981، بعد أن قضيت ما يقارب السنتين في دراسة السبيل الأمثل لمجابهته من منطلق وطني بحت، وبطرح وطني خالص، وأجندة وطنية صرفة، تواصلت خلالها مع عدد من تنظيمات المعارضة التي كانت قبلنا على ساحة النضال، وقدمتُ فيها الدعم لاتحاد الطلبة الليبي في المهجر الذي كان شقيقي هشام من بين مؤسسيه، هداني الله إلى أنّ أي عمل معارض لابد وأن يبتدئ من حيث انتهى عهد الاستقرار الذي أطاح به "رهط الأشقياء" في سبتمبر 69. ولابد أن يبدأ برد الاعتبار لسيد البلاد وشيخها (والذي عرفت وقتها بأنه لم يكن مجرد قائدها السياسي فحسب بل كان زعيمها الروحي أيضا). ولم يكن عندي أي شك أو ريب بأن أي مبادرة تتجاوزه ولا تبتدئ منه فمآلها إلى الفشل الذريع لا محالة. فكانت هذه نقطة الإرتكاز وحجر الزاوية لبداية التفكير في كيفية تأسيس كيان أتحرك به ومن خلاله نحو هذا الهدف، ولوضع حد لعبث القذافي بالبلاد وأهلها، وأنا الذي لم أمارس السياسة في أي يوم من الأيام حتى كهواية، ولا كانت لي ميولات أيديولوجية من أي نوع، ولا سبق لي الانضمام إلى أي من الأحزاب السياسية التي اجتاحت بلادنا في فترة الستينيات من القرن الماضي وكانت تستهوي وتستقطب الشباب من جيلي في بيئة صار البقاء فيها خارج هذه التنظيمات أو عدم اعتناق فكر تقدمي (أو ديني) يعتبر شبه منقصة وعدم مواكبة للتيار السائد (أو سمها موضة ذلك الجيل إن شئت)، فآثرت في ذلك الوقت البقاء ضمن زمرة "عيال البلاد" غير المسيسين، أو "الطرز القديم" إن جاز التعبير.

وبإمعان النظر والتأمّل والتفكير برويّة واستمطار الفتح والهداية من المولى عز وجل اهتديت إلى فكرة ومفهوم "الشرعية الدستورية".كانت الفكرة جاهزة وواضحة وسهلة و"تحت ناظريّ" كما يقال، أو ما يمكن توصيفه بـ "السهل الممتنع". فما أن أمسكت برأس الخيط (أقصد صاحب الحق المغدور) حتى بدأت تتركب الصورة في ذهني عن كيفية تأسيس آلية المناداة به بطريقة قانونية عصرية متينة تقف في مواجهة أية تحديات من القذافي أو غيره. فكان التصور الدستوري، الذي أرضيّته الدستور الليبي (أقصد دستور الاستقلال بطبيعة الحال)، وشعاره ورايته هو علم البلاد الذي نالت تحت ظله استقلالها وعاشت سنوات عزها ومجدها. وأعترف هنا بأنه منذ أن قدحت، ثم تبلورت، هذه الفكرة في ذهني وتكاملت تفاصيلها واطمأن لها قلبي لم يساورني أي شك في أنها ستلقى نفس القبول التلقائي عند أبناء الشعب الليبي الذين تسرّعوا بالتفريط في الملك وتخاذلوا عن نصرته والدفاع عنه يوم أن تجرأت عليه ضباع جيشه، وانها ستكون بمثابة إتاحة الفرصة لهم للتكفير عن تلك الخطيئة، خاصة بعد أن بدأوا في تجرّع مرارة عهد الأشقياء، وتعاظم شعورهم بفقدهم لما كانوا يتمتعون به من عزة وكرامة وحرية قبل اغتصابه للسلطة، وذلك بسبب ما كنت أتوهّمه من حبهم، أو على الأقل احترامهم، للملك شخصيا حتى وإن كانوا متحمسين لنظام "ثوري" يتماهى مع السموم الفكرية والعاطفية التي كانوا يتلقونها من الشقيقة الكبرى، وانسياقهم الأعمى وراء وعود جمال عبد الناصر الواهية، وإيمانهم بسحر مقالات هيكل وزعيق راديو "صوت العرب"، وانبهارهم ببقية الأنظمة التي كانت تسمى جزافا بالانظمة "التقدمية" في مشارق الوطن العربي. ولكنني سرعان ما اكتشفت أن ذلك لم يكن إلا ضربا مما يمكن وصفه بالبراءة وحسن الظن، إن لم نقل "السذاجة". فالحقيقة كانت أبعد ما تكون عن ذلك بل كانت أدهى وأمرّ بأبعاد لم أتصورها. وسأعود لتفصيل أسباب ذلك كما تعلمناه بعد مرور ما يقارب العشر سنوات على تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي. ولكن دعيني الآن ألقي بعض الضوء على الأجواء التي سبقت الإعلان عن تأسيس الاتحاد.

كنت في ذلك الوقت (منذ نهاية سنة 1979) أواظب على عقد حلقة ذكر دورية في بيتي بمانشستر ومعي بعض الأقارب والأصدقاء من بينهم صديق الشباب والدراسة في بنغازي محمود عوض الفيتوري، وقريبي مصطفى بوبكر بن يونس (وكلاهما كانا قد سبقاني في اختيار مانشستر كمدينة لإقامتهما ودراستهما الجامعية)، والصديق فتح الله عمران ابزيو، ورفيقي (ولاحقا صهري) رمضان العربي أبوكنيشة اللذان كانا يقيمان في العاصمة لندن، وشقيقي هشام بطبيعة الحال وصلاح محمد المفتي، وعدد من الشباب صغار السن منهم شقيقي علي (رحمه الله) وحسن يونس بن يونس، وخالد علي بن غربية، وكلهم كانوا من سكان مانشستر، ويحضر معنا بصفة متقطعة رفيق الشباب والغربة منصور عبد الرسول الغويل مصطحبا معه صديقه فتحي عبدالقادر الأوجلي (الشاردة) اللذان كانا يقيمان في مدينة برادفورد الشمالية، وكان ينضم إلينا من حين إلى آخر بعض الشخصيات التي تعرفنا عليها في الغربة والتي كانت تحضر أحيانا وتغيب أحيانا أخرى.

ومن بين بعض هؤلاء كانت النواة الأولى لمؤسسي الاتحاد الدستوري الليبي، فكبار السن منهم كان دافعهم الرئيسي في المساهمة في العمل الوطني ضمن هذا التصور هو "حب الوطن" و "نصرة سيدي ادريس" باعتباره الولي الصالح المظلوم والمُفترى عليه، أكثر من أي اعتبار آخر، ولم تكن أفكارهم ولا ضمائرهم قد تشوهت بالحملات المغرضة التي كانت تشنها أجهزة اعلام النظام ضد الملك ادريس، ومن كان طاله منها شيئا فلم يصعب عليه التطهّر منه بعد أن صار ينظر إلى شخصية سيدي ادريس من جانبها الروحاني الديني.

والأهم من أبواق نظام الشقي القذافي والأشد تأثيرا على ذلك الجيل كانت حملة التشويه الـمُحكمة التي باشرت في تنفيذها وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) لتدمير الأرضية الصلبة التي كان يقف عليها الملك ادريس، وإضعاف الشعبية منقطعة النظير التي كان يتمتع بها بين أفراد شعبه كقائد للجهاد وموحدا للبلاد وصانعاً للدولة الليبية الحديثة، بهدف التمهيد لإسقاطه بانقلاب عسكري كانوا يعدون له بعد أن فشلت مساعيهم مع ولي العهد للقيام بـ "انقلاب قصر" يحظى بدعمهم الفوري للجلوس على العرش بدلا من عمه، ثم فشلهم في "التفاهم" مع شخصية مرموقة من بين رجال حاشيته ليكون "رجل واشنطن" في ليبيا للمستقبل الذي كانت تصمّمه الولايات المتحدة الأمريكية في ليبيا (وتلك المنطقة بصفة عامة) عندما باشرت في مزاحمة بريطانيا في مناطق نفوذها في ذلك الحين، والتي كانت ليبيا من أكبرها، بدلا من "الملك العجوز" الذي لم "يفهم" أو "يستسغ" قوانين اللعبة الأمريكية الجديدة في تلك المنطقة، وقناعتهم بأنهم لن يجدوا من "يجرؤ" على تحدي الملك أو محاولة اسقاطه وهو يحظى بتلك الدرجة العالية من المحبة والاحترام والاجلال والتعاطف بين أفراد شعبه.

وذلك كما بينت بمزيد من التفاصيل في جزء سابق من هذا السرد التوثيقي- كان قبل أن يتجهوا نحو الحل الانتقامي الذي أسلفت تفصيله باسهاب في الجزء الثالث خلال الأسابيع الماضية.

فكان عليهم أولا- تسميم تلك الأجواء ببث الشائعات عن عجزه وعدم قدرته على سياسة البلاد، واتهامه كذلك بمحاباته لشخصيات حاشيته وبعض القبائل البرقاوية على حساب مكونات ومناطق البلاد الأخرى.

 ولعل مَن هم مِن جيلي يستذكرون كيف بدأت عواطف الناس تتغير حيال الملك منذ منتصف الستينيات، فبدأوا بالتجاسر على مقامه المصون والتعدي على هيبته والتشكيك في حنكته وحكمته وأهليّته لأن يكون قائدا لبلاد بهذا القدر العالي من الإمكانيات والثروات، وكيف تحولت البلاد إلى بؤرة للشائعات وخليط من الاتهامات بالرجعية والفساد والمحسوبية .... الخ...، كان ظاهرها النيل من حاشية الملك، ولكن هدفها الحقيقي هو النيل منه شخصياً، لتخلُص في نهاية المطاف إلى ضرورة التخلص منه ومواكبة ركب الأنظمة الجمهورية "التقدمية" التي "ستحرر فلسطين" وتحقق "أمجاد العروبة" .... الخ ... من تلك الشعارات الصاخبة التي كانت تملأ عقول المواطنين الليبيين، مثقفيهم وعامتهم على حد سواء. وقد تم لهم بالفعل ما خططوا له بإحكام وحرفية. فما أن رُفع حظر التجوال لساعات قليلة بعد اعلان البيان الأول يوم أول سبتمبر 1969 ليعلن عن إطاحة الجيش بنظام الملك ادريس "الرجعي" "العميل" إلا وعشرات الألاف من الليبيين يتسابقون في التدفق إلى الشوارع للإعلان عن تأييدهم لذلك التغيير بدون معرفة هوية من قاموا بالإنقلاب!!!

وهو تصرّف لا يمكن قرائته لو تحرينا الحياد- إلا بكونه فرحة بالتخلص من "النظام الرجعي" بصرف النظر عمن هو البديل القادم!!!

وهي وصمة عار في جبين الشعب الليبي ستبقى إلى الأبد، تنم عن جهل وحماقة وسطحية في التفكير، وجحود ونكران، وانسياق وراء العواطف بدون حسابات للعواقب، دفع هذا الشعب ثمن ذلك الموقف أبهض الأثمان على يد ذلك الشقي المارق الذي خرجوا زرافات ووحداناً للترحيب غير المشروط- به وتسليمه "شيكاً على بياض" (إن جاز التعبير). ولا يضاهي تلك الوصمة في البشاعة إلا وصمة عدم خروج أحد في مظاهرات مضادة مؤيدة للملك ومدافعة عن عرشه من قِبل "أنصاره" التقليديين الذين كانوا قد هيّجوا واستفزوا مشاعر عامة الناس بالمزايدات بحظوتهم ومكانتهم عند الملك واسترزاقهم بتلك الحظوة عندما كان جالسا على العرش... وهو جُرحٌ كنت قد نكأته في الجزء الأول من هذا السرد وليس عندي الرغبة في تجرع المزيد من مرارة الخوض فيه مجددا، فمن أراد الاستزادة من هذه التفاصيل المؤلمة فيمكنه العودة إليه.

كان العمل الوطني ضد نظام القذافي في ذلك الوقت في طور التكوين وكانت التنظيمات المعارضة بشتى توجهاتها الفكرية والعقائدية آخذة في التزايد في المهجر، وكل لها إصداراتها ونشراتها الاعلامية ومجلاتها بحسب امكانياتها المالية، والجهات الداعمة لها. وكانت جميع المقالات والبيانات تصدر عن أسماء غير حقيقية مراعاة لظروف السرية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. ومن بين تلك التنظيمات الوطنية- التي نشأت على الساحة البريطانية كان تنظيم "جبهة الوطنيين الليبيين" التي كانت تصدر نشرة باسم "ليبيا العنقاء"، كان واضحاً أن من بين كتّابها قلماً وطنياً على قدرٍ عالٍ من الثقافة والبلاغة والتمكن، عرفنا بعد التقصي والتحري أنه الأستاذ محمد حسين القزيري (رحمه الله)، وعرفنا كذلك أن هذا التنظيم كان يضم محمد القزيري وفتح الله ابزيو ومفتاح لملوم مع آخرين لا مكان لهم في هذا التوثيق.

وقد خبّرني الصديق فتح الله ابزيو بأن صديقنا المشترك الأستاذ خليفة الفاخري (رحمه الله) نصحهم بالتواصل معي للتنسيق لعمل وطني مشترك، وأسهب في تزكيتي لهم (جازاه الله خيرا). وقد وثّق فتح الله تفاصيل ذلك في الجزء الثالث من الحلقة رقم 28 من سلسلة مقالاته "بنغازي و عبث الكوازي" التي أعاد نشرها في صحيفة الكلمة بتاريخ 16 فبراير 2014 (العدد رقم 145) بقوله:

((في خضم سرد هذه الخواطرالمتناثرة أريد أن أتحدث عن حوارا هاتفي دار بيني وبين الأديب الراحل خليفة الفاخري عندما كان يعمل مستشارا ثقافيا بالسفارة الليبية، بكوبنهاجن، وليعلم القارىء الكريم انني دائما في خواطري المتواضعة أحاول جاهدا أن لا أكتب عن ما دارمن حكايات بيني وبين الكثير من الأصدقاء الذين انتقلوا الى رحمة الله إلا وأستشهد، بشهود أحياء لإعطاء الموضوع مصداقيّة ويستطيع أيّ أحد من الأحياء أطال الله فى اعمارهم أن ينفي ماذكرته أو يُكذبه، لأنني اُؤمن جازمـًا بأنّ الكلمة الصادقة ظِلّ يستـظل بها الصادقون، في مواسم إزدحام نفاق الكلمات المـُحَنـّطة التى تملأ أركان هذا العالم الموبوء نفاقـًا، وجورا، وإبتذالا، وهنا اُشهد الله الذى مُـلاقِيْه لامحالة ذات يوم عن ما دار بيني وبين الراحل العزيز خليفة الفاخرى، في تلك المكالمة.

 من حين لآخر كنت أبعث للأستاذ خليفة منشورات ومطبوعات المعارضة الليبيّة الصادرة في لندن الى منزله في كوبنهاجن، وكان متابعـًا لها بدقة، ويُـبـْدي بعض الملاحظات وكنت أنقل ملاحظاته، لأصحاب الشأن دون أن أذكر إسمه خوفـًا عليه من أن يتسرب إسمه ويتعرض لمكروه، ففي إحدى الإتصالات الهاتفية أراد أنْ يُعْـلِمني بوجود صديقه محمد بن غلبون، في مدينة مانشيستر واستقراره هناك، فأخبرته بأنني أعْـلم ذلك، وقد إلتقيته في لندن، فأشار إليّ بأنْ أجمع محمد بن غلبون بصديقنا المشترك الأستاذ الراحل محمد حسين القزيري، فسألته متعمدا، لماذا يا " جنقي "؟ و" جنقي " لقب للأستاذ خليفة الفاخري يعرفه كل أبناء جيله، والكثير من أبناء مدينة بنغازي وقد سبق لي أنْ عَرّفـْت لقب " جنقي " في احدى المقالات السابقة، في سنوات مضت.

أثـْنـَى الأستاذ خليفة الفاخري كثيرا على محمد بن غلبون وطلب مني، ومن الأستاذ الراحل محمد حسين القزيري التعاون، وتقديم الدعم اللازم لكل ماله علاقة بالعمل الوطني، وأضاف الأستاذ خليفة الفاخري قائلا إنّ محمد بن غلبون شهم ثم أضاف بلغة" إعيال البلاد " ((راهو ذكـرّ))، وهذا بحكم علاقتي الوطيدة به ومعرفتى له عن كثب، وبالفعل لم تخب فراسة الأستاذ خليفة الفاخري في صديقه، فقد أعلن عام1981 م عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي بشعاراته الوطنيّة الثلاثة علم الإستقلال، ودستور الإستقلال، وباني دولة الإستقلال سيدي محمد ادريس السنوسي رضوان الله عليه)) ... [انتهى النقل عن السيد فتح الله ابزيو جازاه الله خيرا]. ويمكن الاطلاع على تلك الحلقة باتباع هذا الرابط : http://www.libyanconstitutionalunion.org/1stshot.htm

وبتوسط فتح الله ابزيو فتحت قناة اتصال مع محمد القزيري بهدف عرض فكرتي عليه والتعاون في اخراجها إلى حيّز الوجود إن لاقت قبولا واستحسانا عنده.

وكنت في تلك المرحلة قد فرغت من محاولة الاتصال بالملك وطرق بابه لمعرفة ما إن كان تصوري في المناداة به ورفع رايته يتعارض مع مصلحته فأعتزلُ وأترك. أو نيل مباركته ورضاه ودعاءه إن كان العكس صحيحا. ولأن هذا الأمر كان منذ بدايته يقع في دائرة "مَراد الله" لإنصاف عبده المقبول ووليه الصالح، وما كان هذا العبد إلا أداة مسخرة نال شرف الاصطفاء لتحقيق ذلك فقد تكللت محاولاتي لفتح قناة تواصل ثم اتصال بالملك بالنجاح عندما طرقت باب السيدة فايزة حسين مازق التي كانت تقيم في سويسرا وكنت اعرف أنها وزوجها عمر ابراهيم الشلحي (رحمه الله) كانا من القلة الذين واظبوا على زيارة الملك والملكة ولم يتخليا عنهما، وهما من قصدت عندما أسهبت في الحديث عن عزلة الملك وتخلي قومه عنه في الجزء الأول من هذا السرد التوثيقي عندما قلت : ((اننا عندما جئنا للدفاع عن سيدي ادريس لم نسعى لأخذ مكان أحد، أو لنزاحم أو ننافس أحد. وذلك ببساطة- لأننا لم نجد عنده أحد !!! فالحقيقة المرة والمشينة أنه باستثناء أنفار يُعدّون على أصابع اليد الواحدة- كانوا يترددون على الملك والملكة بصفة دورية منتظمة في الاجازات من خارج مصر، فإنهما كانا يعيشان في وحدة كئيبة قاسية. )) وقد فرحت السيدة فايزة فرح المحب الوفي للملك والملكة بطلبي وأبدت الاستعداد الكامل لإنجاز تلك المهمة، ووفت بوعدها على أكمل وجه (جازاها الله خيرا).

لمن أراد معرفة تفاصيل ظروف زيارتي للملك ولقائي الأول به الاطلاع على الحلقات الأولى والثانية والثالثة من مقال "تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي ونشأته" باتباع هذا الرابط :  http://www.libyanconstitutionalunion.org/lcustory.htm#king2

في هذا الأثناء (منتصف صيف سنة 1981) قمت بزيارة محمد القزيري في بيته في مدينة أندوفر الريفية في جنوب انجلترا، حيث كان يقيم ويعمل من بيته في جريدة "العرب" اللندنية بمكرمة من صديقه ورفيقه الوفي الأستاذ رشاد الهوني (رحمه الله). وقد صاحبني في تلك الرحلة شقيقي هشام ومحمود الفيتوري وصلاح المفتي وعلي يوسف زيو الذي اصطحبه صديقه صلاح المفتي وكانت تلك أول وآخر مرة يشاركنا فيها السيد علي زيو فيما يخص شؤون الاتحاد الدستوري، وذلك بعد أن تكللت مساعيّ لضمان مباركة الملك بالنجاح وتحصلت على الضوء الأخضر لزيارته ومبايعته شخصياً ونيل مباركته.

 التقيت القزيّري لأول مرة وعرضت عليه فكرتي كما تصورتها، وأنني قد حزت على "الضوء الأخضر" لزيارة الملك ومبايعته شخصياً ونيل مباركتهفلم يتردد (رحمه الله) لحظة واحدة في القبول الكامل وغير المشروط بالتعاون بيننا بمجرد أن أحاط بتفاصيل وأبعاد وقوة تلك الفكرة لتوحيد الجهود لتحقيق أهدافها (ولم نكن أسسنا التنظيم ولا اخترنا له اسما بعد).

وأثناء تلك الزيارة تعرفنا على رفيق محمد القزيري في تنظيم "جبهة الليبيين الأحرار" مفتاح يوسف لملوم الذي وافق كذلك على ما وافق عليه محمد القزيّري.

 وعقب ذلك اللقاء استقال محمد القزيّري من عمله في جريدة العرب وانتقل للإقامة في بيت مجاور لبيتي في مانشستر كنت قد استأجرته لاتخاذه مقرا مؤقتا للاتحاد يسمح لنا بأن نكون في حالة انعقاد مستمر ويضمن لنا الاحتياطات الأمنية الواجب مراعاتها في تلك الأيام التي كان نظام القذافي يرسل فيها فرق الاغتيالات لقتل معارضيه.

وفي يوم 12 سبتمبر 1981 عقدنا اجتماعا في بيتي بمانشستر حضره كل من : محمد القزيري ومفتاح لملوم ومحمود الفيتوري وفتحي الشاردة وصلاح المفتي وهشام وعلي بن غلبون، اتفقنا فيه على تسمية التنظيم باسم "الاتحاد الدستوري الليبي"، وعلى صيغة البيان التأسيسي وتوزيعه في شكل بطاقة معايدة بمناسبة عيد الأضحى الذي توافق ذلك العام مع سابع أكتوبر (الذكرى الثلاثون لاعلان الدستور الليبي)، تحمل اسماء محمد بن غلبون رئيسا، وثلاثة من أعضاء الاتحاد هم محمد القزيري ومفتاح لملوم وهشام بن غلبون، كما تم توزيع مهام محددة على الأعضاء، وقد تغيب عن ذلك الاجتماع كل من رمضان وفتح الله ومصطفى بن يونس لأسباب مقبولة خارجة عن ارادتهم.

لابد من الاشارة هنا إلى أن المعارضة العلنية لنظام القذافي في تلك الآونة التي كانت فيها "فرق اغتيالات" القذافي متواجدة في جميع العواصم الأوروبية ترصد وتقتل مَن مجرد يشتبه في أنه معارضاً للنظام. ومن المدن التي اقترفوا فيها جرائمهم في بريطانيا قبل بضعة أشهر كان قتل الاعلامي في راديو بي بي سي العربي محمد مصطفى رمضان، والمحامي محمود نافع في لندن، وقتل وتشويه جثة أحمد عبدالسلام بورقيعة في مانشستر. وقد كان عدد المعارضين بهوياتهم المعلنة حينئذٍ لا يبلغ عدد أصابع اليد الواحدة. كما كانت الأجهزة القمعية للنظام تضيّق على أسر وأقارب من يشتبه في معارضتهم وتنكّل بمن يجهروا بتحدي "القائد".

التفاصيل الكاملة لتأسيس الاتحاد تناولناها سابقا على مدى أكثر من سنتين في سلسلة "الاتحاد الدستوري الليبي: تأسيسه ونشأته" في (22) جزء ما بين شهر يونية 2006 و شهر أغسطس سنة 2008 وبالإمكان مراجعتها باتباع الرابط : http://www.libyanconstitutionalunion.org/react2lcu.htm ،ولن أعود إلى الخوض فيها هنا خشية زيادة الإطالة والتكرار، إلا انني سأتوقف فقط على معاودة توثيق موقف أحد هؤلاء الأعضاء الذين وافقوا على اعلان أسمائهم الحقيقية ثم طلب سحب اسمه من قائمة الموقعين على البيان التأسيسي وقتما كان قيد الطباعة، وأفصح لاحقا بأن الارتباط بهذه القضية (الملك والدستور والعلم) يُعدّ "انتحارا سياسياً" بحسب تعبيره. وهو ما أدى إلى انقطاع صلته بنا وصلتنا به، ولم ألتقه إلا بعد أكثر من 25 سنة عندما جاء إلى مانشستر لمشاركتنا في تشييع جنازة محمد القزيري رحمه الله سنة 2007، وتلك كانت المرة الأخيرة التي ألتقيه فيها.

تم الاعلان عن تأسيس الاتحاد وميلاد مسيرة إعادة "الشرعية الدستورية" عن طريق توزيع بطاقات الاعلان الحاملة لإسمي واسم محمد القزيري وشقيقي هشام، على نطاق واسع (التفاصيل الكاملة في حلقات المقال الذي سبقت الاشارة إليه وإدراج رابطه). ولا يخفى ماكان لوجود أسماء شقيقين من بين ثلاثة أسماء معلنة من تبعات سلبية على سمعة التنظيم الوليد، والذي لم يتح لنا انسحاب مفتاح لملوم المفاجئ والمتأخر سبيلا لتداركه واستبداله بغيره دون مرور مناسبتي الاعلان (عيد الأضحى وذكرى الدستور)، شجعت المغرضين لاحقا على محاولة إلصاق تسمية "اتحاد عيت بن غلبون" عندما اندلعت موجة العداء والتشهير التي سآتي على ذكرها لاحقاً.

 

 

وقد تزامن ذلك الحدث مع إعلان د. محمد يوسف المقريف عن تأسيس تنظيم "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا" من العاصمة السودانية الخرطوم التي كان عداء رئيسها جعفر نميري ومعمر القذافي قد بلغ ذروته في ذلك الوقت.

ويجب التشديد هنا على أن خطاب البيان التأسيسي للجبهة في ذلك اليوم -ولعدة سنوات تلته- لم يتضمن القضية الدستورية لا من قريب ولا من بعيد، ولا احتوى أيّ إشارة إلى دستور الاستقلال أو العلم، بل كان طرحاً ينظر بالكامل إلى المستقبل في حِلٍّ من إرث عهد الاستقلال، بل على العكس فقد تعرضنا إلى عداء من طرف التنظيم وقيادته (ومموليه) تجاوز حد التنافس الشريف، وغاص في أعماق سياسة إقصاء الطرف الآخر وإسقاطه عن طريق الاشاعات والتشويه والتلويث بمجرد أن رفضت عرض محمد المقريف بحل تنظيم الاتحاد الدستوري والانضمام إلى جبهته كأفراد !!!... وقد تناولنا تفاصيل هذا الموضوع في الجزء رقم 12 من المقال التوثيقي الذي ذكرته أعلاه وهذا رابط يقود إليه

http://www.libyanconstitutionalunion.org/lcustory12215.htm وأكتفي هنا بمجرد ذكر أن حملة التشهير والتشكيك التي تعرض إليها تنظيم الاتحاد الدستوري بصفة عامة ونالت منّي شخصيا ظهرت أثارها لدرجة رفض بعض الليبيين السلام عليّ أثناء سفرياتي إلى المغرب ومصر وبعض الولايات الأمريكية التي كانت تقطنها أعدادا معتبرة من الليبيين للترويج لفكرة "الشرعية الدستورية" وشرح أبعادها ومحاولة تجميع الدعم لها. فتكررت عدة مرات أن يسحب أشخاص لا أعرفهم ولا هم يعرفونني لأيديهم لعدم مصافحتي بمجرد أن يتم تقديم الأسماء في مناسبات اجتماعية، بينما ينسحب آخرون (أكثر لباقةً وأدباً!!!) لتفادي السلام عليّ. وكما قلت أعلاه لا أود الخوض في المزيد من هذا السرد الموجع هنا لعدم إرباك السياق، ولكن تفاصيله موجودة بكاملها في الحلقة التي أشرت إليها لمن أراد الاستزادة.

لم نتوقع كمّ وشراسة العدواة التي قوبل بها الإعلان عن تأسيس حركتنا الدستورية ورفعنا لصورة الملك ادريس والعلم الليبي وإعادتهم إلى واجهة أحداث الساعة ليكونوا طرفاً في القضية الليبية، بل وحجر أساس في حلها (بحسب تصوّرنا). وكانت تلك العداوة تأتي من قِبل التنظيمات التي كانت أمامنا على ساحة العمل الوطني، وكذلك من قِبل أفراد مثقفين ونشطاء لهم وزنهم في تلك الساحة، تراوحت بين وصف مجلة "صوت ليبيا" واسعة الانتشار بين المهاجرين الليبيين في تلك الحقبة، والتي كان يشرف على تحريرها عدد من المعارضين المرموقين الذين يمكن وصفهم بـذوي "الوزن الثقيل" لدعوتنا بأنها تعتبر "نكوصا سياسياً لمرحلة ما قبل 1969 " أنتجته "الانعكاسات السلبية لسياسات القذافي الرعناء" [مجلة صوت ليبيا، العدد التاسع ،صفحة 21]. علمنا بعد ذلك بأن المسؤولين عن ذلك المقال كانوا من جناح د. عبدالرحمن السويحلي داخل ذلك التنظيم والذين استفزهم واستعداهم علينا رفعنا لراية الملك ادريس والذي يعتبرونه مع العائلة السنوسية عدوهم التاريخي اللدود.

 أما بقية التنظيمات المعارضة، والتي كما أسلفت، كان يسيطر عليها من يمكن وصفهم بفئة المثقفين "المؤدلجين" سياسيا، المعتنقون والمروجون للأحزاب التي كانت توصف بالاحزاب "التقدمية" (البعثيون، الناصريون، القوميون العرب، الشيوعيون ... الخ) بالإضافة إلى جماعات "الاسلام هو الحل" الذين كان نجمهم قد بدأ في الصعود في بداية الثمانينيات التي يطلقون عليها فترة "الصحوة".

وقد تعلمنا لاحقا من خلال تواصلنا مع جل تلك الشخصيات والتنظيمات بأن معظمهم كان من بين من رحّبوا بانقلاب معمر القذافي واعتبروه ثورة حقيقية ضد نظام "رجعي عميل" كانوا يسعون أو على الأقل يتمنون- التخلص منه، وأن تلك الثورة إنما "حادت عن مسارها" لاحقاً بعد أن استقل بها معمر القذافي وأقصى رفقاؤه، فجاء خطابنا الغريب المفاجئ وتسميتنا لأول مرة- بأن ماحدث في أول سبتمبر ما هو إلا انقلاب عسكري ضد "الشرعية الدستورية" ورفعنا لشعارات تعتبر بالنسبة لهم رموز وشعارات "العهد البايد" كان بمثابة صدمة سياسية وثقافية من ناحية، وتهديدا لبرامجهم لحكم البلاد بعد سقوط القذافي برؤى ثورية تقدمية بعيدا عن "رجعية النظام الملكي" وهيمنة الملك ادريس على الخارطة السياسية لليبيا (بحسب تصورهم). ولعله من المفيد هنا التذكير بأن جميع تلك الايديولوجيات قد ثبت فشلها وعُقمها بعد أقل من عقدين من ذلك الزمان، لدرجة أنه لم يعُد لها وجودا على الخارطة السياسية في زماننا هذا في أي من دول العالم (المتقدم)، بل ارتبطت اسماءها بالفشل وجلب الدمار للعالم العربي والاسلامي.

وردّ الفعل هذا، كان غريبا ، وصادما لنا كذلك، فكما أسلفت التعليل بأننا لم نكن نخلُ من سذاجة سياسية في تلك الآونة منعتنا من توقع هذا التجاوب السلبي، ولكننا سرعان ما وقفنا على دوافعه. ولكن ما لم نكن نتوقعه أبدا ولا يمكن تفهم دوافعه (وهنا لا علاقة لموضوع السذاجة به)، هو رد فعل المواطن العادي- الذي تراوح بين سخرية واستخفاف الجهّال من على شاكلة: "هياّ خوذ لك موش ناقص إلا يعاودولنا الملك اللي مكمّل عمره) إلى الأكثر عدوانية وشراسة كقول أحد الشخصيات المرموقة- التي كانت مقيمة في القاهرة عندما قال لي في اجتماع مع عدد من زملاءه "التقدميين" إن الملك من الحفريات القديمة، ولا يعقل أنه لا يزال على قيد الحياة، وربما حنطه المصريون البارعون فى فن التحنيط الفرعوني، ليبقوا عليه كفزاعة يستعملونها عندما يحتاجوا لذلك !!! ".وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى فساد ذلك اللقاء وكاد أن يتطور إلى ماهو أكبر من ذلك لولا تدخل رفقائه ممن كانوا أكثر براعة منه في إخفاء مشاعرهم العدوانية للملك ادريس ودعوتنا الدستورية الذي يُعد هو حجر الزاوية لها، (ولا أود التشعب هنا بذكر اسم ذلك الشخص ولكن من أراد معرفة ذلك والاستزادة في هذا الموضوع فبإمكانه الرجوع إلى النصف الثاني من الجزء رقم (8) من السلسلة التوثيقية التي أسلفت ذكرها باتباع هذا الرابط :

 http://www.libyanconstitutionalunion.org/lcustory629.htm

 

هذه مجرد عينات عشوائية- من المناخ السام الذي ووجهنا به بمجرد اعلاننا عن تأسيس الاتحاد الدستوري. وقد صاحَب ذلك العداء كمّاً هائلا من الاشاعات كان من بين أخطرها وأكثرها ضرراً إشاعة أن هوية المؤسسين والممولين- الحقيقيين للاتحاد الدستوري هم من شخصيات العهد الملكي التي كانت الجماهير تمقتها وتزدريها، (وكثير ممن خرج في مظاهرات تأييد الانقلاب خرجوا بدافع كرههم لها)، ولن أذكر أسماء أي منهم الآن لأن لا أحد منهم حوكم محاكمة عادلة لتثبت عليه تهم الفساد وسوء استغلال السلطة... الخ من التهم التي كانت تدور في ليبيا في الأشهر الأخيرة من عمر النظام الملكي عندما أتت سياسة وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) أُكلها الهادف إلى تسميم الأجواء ضد الملك عن طريق تشويه حاشيته وعهده، والتي زرعت حقولا من ألغام الدعاية المغرضة التى بثها محترفوا ذلك الجهاز في أواخر الستينيات بعدما أخفقوا في العثور على من يتعاون معهم لخلع الملك إدريس بلا إنقلاب عسكري، فأخذوا يتفننون في أساليب خلق البلبلة وبث الشكوك حوله ريثما تكتمل تهيأة المناخ والظروف المناسبة لصنع الإنقلاب المبيّت ضده. وقد بلغت تلك الحملات أوجها عندما وصلت الجرأة والتطاول إلى حد تلقيبه بـ "إبليس مش إدريس" وما شابهها من أشعار وأهازيج ضالة ومضللة.

وجدنا أنفسنا في الأسابيع والأشهر التي تلت إعلان التأسيس ونحن الذين كنا نتوقع ترحيبا شعبيا مناسبا لطرحنا- في مصادمات وجدالات عقيمة تبدأ بتبرئة الملك من تهمة "العمالة للإنقليز"، إلى الاتهامات بالفساد والرشوة والمحسوبية ...الخ ... ، بالإضافة إلى محاولات البعض ممن يرتبطون أسرياً بالإخوان السنوسيين استحضار الحساسيات القديمة التي بين فرعي العائلة السنوسية (عيت المهدي وعيت الشريف) لتلقي بظلالها التاريخية على المشهد الحالي المتأزم بما فيه الكفاية .... استنزفت جهودنا المحدودة- وفتّت في عضدنا وأصابتنا بالإحباط، وكادت أن تحطم معنوياتنا بالكامل، خاصة وأنها جاءت بعد الضربة القاصمة التي كنا قد تلقيناها يوم السادس من أكتوبر عندما تلقينا خبر اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات (رحمه الله). فكما لا يخفى فإن الرئيس السادات كان سيجد في دعم وتأييد مصر لهذه المبادرة فرصة للنيل من عدوه اللدود معمر القذافي، وفي ظل الاحترام والتقدير المعروف الذي يحظى به الملك ادريس عند الرئيس السادات، فإن الدعم والتعامل كان سيكون على مستوى عالٍ وفعال وشفّاف فوق مستوى التعامل غير المتكافئ مع المكاتب والأجهزة الأمنية. وبلاشك فإنه كان سيُفقد القذافي صوابه ... ولكن "قدّر الله وما شاء فعل".

 

ولم تمض شهور قليلة إلا وعدد من الأعضاء المؤسسين قد انسحبوا من بيننا وغادروا مدينة مانشستر بالكامل وقطعوا اتصالهم بنا.

وعلى الطرف الآخر كان نجم الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في صعود مضطرد، ولا يمكن المبالغة لو وصفتها بأنها صارت قبلة للمناضلين والوطنيين الذين رأوا في كيانها وقدراتها وما تتمتع به من دعم علني واضح من عدة دول عربية، ودعم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية الـمَركَبة المثلى لتحقيق أهدافهم لإسقاط النظام وانقاذ البلاد من عهده وشره، فلم يكد يبقى مناضلا ولا وطنيا شريفاً إلا وانضوى تحت راية هذا التنظيم، مصدقين مزاعم قيادتها بأن التواجد خارج تنظيم الجبهة (التي تحظى بدعم ورضا أمريكا) هو بمثابة خيانة للقضية الوطنية لما له من تشتيت للجهود وتفريق للصفوف يؤدي إلى إطالة عمر نظام القذافي التي كانت برامج الجبهة "على وشك الإطاحة به"!!! وما إلى ذلك من معسول الكلام وزائف الوعود التي كانت قيادة الجبهة تتفنن في نظمها وتقديمها. يضاف إلى كل ذلك بطبيعة الحال الدعم المادي واللوجيستي الذي كانت تقدمه الجبهة لأعضائها والمتمثل في مرتبات مجزية، وجوازات سفر لعدة دول (مغربية، وسودانية، وجزائرية، وصومالية، وكثير غيرها) تساعدهم وذويهم على التنقل الآمن والحركة الحرة في وقت كان الليبيون في المهجر يعانون من انعدام الخدمات القنصلية لسفارات القذافي التي سرعان ما تحولت إلى "مكاتب شعبية" همها ملاحقة وقتل المعارضين في الخارج..... يعني تفاديا للإطالة كانت مكاتب الجبهة بمثابة مكاتب خدمية في الخارج تفي بجميع احتياجات أعضائها ومموليها و (من ترضى عنهم).

 وقد علمنا لا حقا إنه من بين أعضائنا المؤسسين من انخرط في هذا التنظيم الآخذ في الاتساع والقوة في معظم العواصم العربية والأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية بطبيعة الحال.

 ومادمنا هنا في سياق التوثيق و "إعطاء كل ذي حقٍ حقه"كما اسلفت- ، فإنني أربأ بمن تحول من موقع النضال ضمن صفوف الاتحاد الدستوري إلى صفوف جبهة الانقاذ بأن تكون دوافعهم غير ذات الدوافع الوطنية الصرفة التي شاركونا بها في تأسيس الاتحاد، وتصورهم بأن تنظيم الجبهة هو القادر على إحداث التغيير بما يمتلكه من امكانيات مادية ودعم أمريكي. فهم كما أسلفت- من خيرة شباب ليبيا المخلصين الشرفاء الجادين في بذل الغالي والرخيص من أجل ليبيا الحبيبة، ولكن "سِحر" الجبهة في تلك الآونة كان لا يُغالب، وأضيف هنا كذلك بأنني أكاد أجزم بأن ذلك يسري على الغالبية العظمى من الشباب والوطنيين الذي انضووا تحت لواء الجبهة قياسا على من عرفتهم منهم بعد أن "انفجرت فقاعة" الجبهة، وافتضح أمرها وانكشفت صلاتها المشبوهة بأجهزة الاستخبارات الدولية وانفرط عقدها. وأنا هنا لا أقصد بطبيعة الحال شرذمة العملاء و"البصاصين" الذين كانت تعج بهم الجبهة وكانوا ينقلون أخبار ما يدور في داخل اجتماعاتها وتخطيطاتها إلى باب العزيزية بالصوت والصورة.

وقد عرفنا لاحقا أن عددا من فصائل المعارضة الليبية الأخرى عانى من نفس ما عانينا منه بفقد أعضائها لصالح جبهة الانقاذ تحت جذب ما ذكرت وكذلك عندما رفعت لواء النضال المسلح ومعسكرات التدريب العسكري للمتطوعين للجهاد في سبيل الوطن. وهي محاولات قام بها وراح ضحيتها أبطال صناديد من خيرة أبناء الوطن (لا يمكن إيفائهم حقهم بالكامل في هذا السرد) باءت جميعها بالفشل الذريع، ولم يكن مقدّرا لها أن تنجح أبدا من قِبَل المحركين الحقيقيين لخيوط لعبة الصراع مع القذافي، والتي كان تأسيسهم لجبهة الانقاذ هو لمجرد احتواء الفورة الشعبية ضد نظام القذافي، والتي أخذت في التحول التدريجي من معارضة فردية وعشوائية إلى عمل منظم كان سيشكل خطرا وشيكا على نظام القذافي ومن ثمّ على برامجهم ومشاريعهم- في تنظيم واحد يقزّم بقية الفصائل و يهيمن عليها ويبقى رهن إشارتهم لضمان عدم حدوث أي تغيير هم غير مسؤولين عنه ومتحكمين فيه، وإفشاله بالكامل عندما تنتفي الحاجة إليه كما حدث بالفعل سنة 1994 ، عندما تهاوى تنظيم الجبهة وافتضح أمر قيادته فانشق عنه من انشق وبقى من بقى، ولم يعُد له أي تأثير في ساحة العمل الوطني في المهجر !!! ولكن بعد أن أدى دوره المنوط به في إفقاد الشعب في داخل البلاد الثقة في المعارضة في الخارج، بل صار الكثير يصب جام غضبه عليها، وبث روح الإحباط واليأس بين صفوف المناضلين بصفة عامة .... والحديث في هذا الموضوع يطول، وهو ليس موضوعنا الآن، وما اضطررت إلى الخوض فيه إلا لتبرئة رفاقنا الذين تخلوا عنا من أية شبهة.

مع مرور الوقت وتحت وطأة العزلة اقتصرت عضوية الاتحاد الدستوري الليبي على محمد القزيّري ورمضان بوكنيشة وأنا وشقيقاي هشام وعلي، وشقيقتاي علياء وإنصاف، والدكتورة بلقيس بوفانة. واستمرت المقاطعة والعزلة التي بلغت حد أننا لم نُدعى إلى أفراح أي من أصدقائنا، ولم يشاركنا أي منهم في أحزاننا (شاركنا في دفن عمي محمود بن غلبون سنة 1989 خمسة أشخاص في مدينة مانشستر التي تقدر أعداد الليبيين فيها بالألاف ولندن بألافها كذلك الغير بعيدة منها. ولم يأت لتعزيتنا أحد قبل ذلك عند وفاة أخوالي لامين ومحمود المهدي دربي، ولا صهري الحاج مصطفى امنينة، رحمهم الله جميعا!!! هكذا كان حجم الحصار الذي تظافرت فيه عدة عوامل، كان أهمها ما هددني به ذلك المسؤول الأمريكي سنة 1982 عندما رفضت عرضه للتعاون معهم بشروط وجدتها مهينة لي شخصيا ولقضيتي التي ما قابلته في الأساس إلا لظني أن الشعارات التي تبشر بها الولايات المتحدة الأمريكية بنشر الديمقراطية في العالم كانت صادقة، عندما أكد لي بأناة وحزم بأنني "سأجد الأبواب العربية كلها موصدة في وجهي، وأن أغلب الشخصيات الليبية النشطة والمؤثرة ستعترض طريقي بشراسة وستناصبني العداء" . تفاصيل ذلك اللقاء وما دار بيني وبينه نشرتها سنة 2005 ويمكن الاطلاع عليها باتباع هذا الرابط : http://www.libyanconstitutionalunion.org/hyatrtcl.htm ، وثانيهما حملة الاشاعات والتشويه التي أطلقتها قيادة الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا بلا هوادة وصلت حد أن التواصل معنا "سيُغضِب الجبهة"، ويضاف إلى هذا وذاك بطبيعة الحال، كُره النظام وإصراره على إفشال "القضية الدستورية" التي كما أسلفت في الأجزاء السابقة- كان معمر القذافي يعدّها تحدٍ شخصيٍ له ولإنقلابه (ثورته المزعومة).

لا بد لي في هذا السياق ومن باب إحقاق الحق أن أذكر بأن ثلاثة أشخاص فقط هم من ساهم مساهمة مالية في دعم الاتحاد الدستوري، هم صلاح محمد المفتي في بداية المسيرة بدفعه لمبلغ ألفان وخمسمائة جنيه استرليني (2500) لحساب الاتحاد، ورمضان العربي أبوكنيشة الذي دفع كذلك مبلغاً مماثلا، ثم مبلغ أربعة ألاف جنيه استرليني (4000) في وقت لاحق، ثم حوّل جميع مدّخراته من عمله كدكتور محاضر في جامعة لندن على مدى عدة سنوات لمشاركتنا في تحمل أعباء مصاريف الحفاظ على الاتحاد الدستوري واقفا على رجليه بدون الحاجة الى قبول دعم مشروط يتحكم في توجهنا ويحيدنا عن قضيتنا الدستورية التي كانت مرفوضة من الجميع في تلك الآونة، والتي بلغت مئات الألاف جنيه استرليني، دفعتها أنا وشقيقاي هشام وعلي.

أما الثالث فهو فتح الله عمران ابزيو الذي كان قد سبق الجميع تقريبا في العمل الوطني المعارض لنظام القذافي على الساحة البريطانية، وأنه قد وضع العمل الوطني على رأس أولويات حياته فلم يهتم بالوظيفة الثابتة أو العمل الذي يعيقه عن آداء واجبه الوطني فكان يعمل (في أوقات فراغه من ذلك) أعمالا هامشية لمجرد أن يسد بها مصاريفه ويستغني بها عن الناس، فقد تبرع بمبلغ عشرين جنيه استرليني (20) وكان وقتها يعمل في غسل الصحون بأحد مطاعم البيتسا الشهيرة في لندن.

ودعيني أوثق هنا توثيق الواثق المتحدي، بأننا لم نستلم أي دعم مالي من أي جهة رسمية أو غير رسمية، ولا من أفراد ليبيين أو غيرهم، ولا تمتعنا بجوازات سفر لأي دولة غير وثائق السفر التي تُمنح للاجئين السياسيين حتى سنة 2003 عندما تقدمنا بطلبات الحصول على الجنسية البريطانية فصرنا نتحرك بجوازات سفر المملكة المتحدة. والاستثناء الوحيد كان في قبولنا مساهمة مالية من السيدين محمد النايض ومحمد السوسي للمشاركة في مصاريف طباعة وتوزيع الطبعة العربية الثانية من كتاب "الملك ادريس عاهل ليبيا حياته وعصره"، وقد سبق وأن وثقت ذلك في مقدمة الطبعة الثالثة للكتاب بعد قيام الثورة وانتفاء المخاطر الأمنية التي حالت دون ذلك في السابق.

كلمات أخيرة قبل انهاء هذا الجزء الطويل هو أنه وعلى الرغم من قلة عدد مؤسسي وأعضاء الاتحاد الدستوري الليبي وضعف امكانياتنا المادية، إلا أننا أنجزنا الخطوة الأولى (تأسيس وإعلان الاتحاد) بنجاح وانضباطية منقطعة النظير.

كما يجدر التنويه بأن إمكانيات الأستاذ محمد القزيّري الأدبية وسلاسة قلمه وعمق إيمانه بالقضية الدستورية ساهم إلى حد كبير في إظهار الاتحاد في حُلة راقية تضاهي مستوى هذه القضية، وأن الفضل يعود إلى مواهبه في شرح وتقديم مبادئ الاتحاد الدستوري الليبي بأسلوب واضح وسلس وجذاب في سلسلة من 3 كتيبات صدرت عن الاتحاد في 3 مناسبات وطنية متتالية هي الذكرى الثلاثون لاعلان الدستور الليبي، والذكرى الثلاثون لاعتراف الأمم المتحدة باستقلال ليبيا في 22 نوفمبر1981، والذكرى الثلاثون لعيد الاستقلال المجيد في 24 ديسمبر 1981، ثم ترجمته للكتاب سالف الذكر من أصله باللغة الانجليزية.

 كذلك فقد كان لجمال خط السيد محمود عوض الفيتوري -الذي قام بكتابة البيان التأسيسي بيده- أبلغ الأثر في ظهور مطبوعات الاتحاد بتلك الصورة الجميلة الراقية.

أما الصديق مصطفى أبوبكر بن يونس فإننا لن ننسى له أنه عندما وضعتنا الشرطة البريطانية رهن الاقامة الجبرية تحت الحراسة المسلحة في ربيع سنة 1984 عندما اجتاحت موجة التفجيرات الساحة البريطانية على أيدي فرق اغتيالات النظام وكان آخرها مسكن سبق وأن سكنه شقيقاي هشام وعلي استهدفته إحدى تلك الفرق بقنابل فجر يوم 11 مارس 1984 ، فكان السيد مصطفى يأتي لزيارتنا كل يوم لإحظار الجرائد وقضاء حوائج البيت وحمل رسائل البريد ... الخ ...وأنه واظب على تلك المهمة المضنية والخطيرة طيلة فترة ارتهاننا في البيت بلا ملل ولا كلل ولا تبرم ولا تضجر، فجازاه الله عنا أفضل الجزاء.

في سنة 1989 قرر الأستاذ محمد القزيّري الانتقال الى لندن للانخراط في وظيفة ضمن أسرة تحرير مجلة المجلة الصادرة في لندن بتوسط من صديقه الوفي الأستاذ رشاد الهوني (رحمهما الله)، منسحبا بذلك من صفوف الاتحاد الدستوري ومعتزلا ممارسة السياسة لسببين وجيهين؛ الأول وهو ما سبق وأن ذكرته في سياق طلبه عدم ذكر اسمه كمترجم كتاب "الملك ادريس عاهل ليبيا حياته وعصره" لعدم تهديد وإعاقة فرص ولديه اللذين كانا قد بلغا سن الشباب وشق الطريق الى المستقبل.

والثاني هو التزامه بشروط العمل في تلك المؤسسة التي كانت كسائر المؤسسات الاعلامية في لندن- تشترط على موظفيها عدم مزاولة السياسة أو ما قد يستعدي عليها أنظمة قمعية تمارس الارهاب مثل نظام القذافي. وقد وثّق هذا الشرط الاستاذ عبد الرحمن الراشد رئيس تحرير "المجلة" في مرثيته لزميله محمد القزيري بعنوان "رحيل المترجم" في العدد رقم 10609 من جريدة الشرق الأسط بتاريخ 15/12/2007 عندما كتب:

((عرفت في مجلة المجلة، في لندن، زميلا ليبيا متميزا. البداية كانت عندما تقدم للعمل حيث صارحته بالقول، أستاذ محمد، انت ليبي تعيش في المهجر، وربما أنت معارض للنظام، ككثير من الليبيين في هذه المدينة المكتظة بالهاربين العرب المعارضين لأنظمتهم. الحقيقة انا لا يهمني لونك السياسي لأن كل الزملاء مؤدلجون. بل أعرف ان كل الصحافيين في كل مكان في العالم، تقريبا، يحملون آراء سياسية منحازة بشكل صارخ، مهما ادعوا الحيادية، وهذا حقهم. الفارق ان المؤدلجين الذين يعملون معنا نائمون. الأصول انه لا يجوز أن تكون صحافيا وحزبيا في نفس الوقت، كما لا يقبل ان تمتهن المعارضة والصحافة (((......)))كان يجلس في سكون مفرط الى درجة ظننته مصابا بالصمم، ثم اجاب متمتما، ما فيه مشكلة )) [انتهى الاقتباس من مقال عبد الرحمن الراشد]. بالإمكان قراءة هذا المقال كاملا على موقع الجريدة باتباع هذا الرابط، https://archive.aawsat.com/leader.asp

 

كما يمكن قراءة المزيد عن شخصية ومقالات المرحوم محمد القزيري على الصفحة التي خصصناها له على موقع أرشيف الاتحاد الدستوري الليبي عقب وفاته (رحمه الله) باتباع هذا الرابط: http://www.libyanconstitutionalunion.org/algazeri.htm

 وكذلك على موقع "ويكيبيديا" الموسوعة الحرة.

لم تنقطع صلة الصداقة بالاستاذ محمد القزيري واقتصر التواصل بيننا على المكالمات الهاتفية في المناسبات، بينما واظب شقيقي هشام على زيارته في مكتبه في مقر "الشركة السعودية للأبحاث والنشر" بصفة دورية عندما نأتي إلى لندن، ثم انقطعت عنا أخباره عقب تركه للوظيفة لنعلم بعدها بأنه قد داهمه المرض العضال، فواظبنا على زيارته في المستشفى ثم في مقر اقامته المؤقتة التي توفي فيه يوم 15 نوفمبر 2007 ، فقمنا بترتيب نقل جثمانه إلى مانشستر حيث دفناه في ذات المقبرة التي دفنا فيها شقيقي علي وعمي محمود بن غلبون، في جنازة حضرها لفيف من الليبيين يوم 21 نوفمبر 2007. 

 

وهكذا فمنذ بداية تسعينات القرن الفائت اقتصرت عضوية الاتحاد الدستوري الليبي على 3 أشخاص هم محمد وهشام بن غلبون، ورمضان أبوكنيشة، وزاد علينا بطبيعة الحال -مع شقيقاتي علياء وانصاف، وبلقيس- أولادي عبدالرحمن وعثمان وبناتي هالة وأمينة الذين صاروا أعضاءً فاعلين في الاتحاد بعد أن كبروا في كنفه عندما صار الاتحاد و القضية الدستورية جزءً لا يتجزأ من حياتنا، (أو قولي جزء من العائلة إن جاز التعبير) ساهموا بالإنفاق من مرتباتهم على مصاريف الإبقاء عليه حياً فاعلا ومواصلة المسيرة التي ابتدأناها سنة 1981 عندما كانوا أطفالا.... لم نتخلّ عن مبادئنا ولا ساومنا على قضيتنا ولا فرّطنا في وطننا بل واصلنا التحدي وعدم السماح للقضية الدستورية أن يطويها النسيان، أو تشوهها الشائعات والشكوك، تصدينا خلالها لمحاولات حثيثة في فترات متفاوتة من قِبل البعض للقرصنة على مبادئها وشعاراتها بهدف إفراغها من مضمونها وتحويلها إلى مجرد شعار أجوف لا يمكن إعادة الحياة فيه وتسخيره لإخراج البلاد من دهاليز وتخبط القرارات العشوائية، وأحلام المنظرين الصادقين، أو المغامرين الطائشين، أو الخبثاء والمغرضين من أصحاب الأجندات الخفية. تصدينا خلالها كذلك لمحاولات سيف القذافي ركوب الموجة الدستورية سنة 2008 وفضح مسعاه عندما استأجر خدمات الخبير الدستوري العالمي "بنجامين باربر" لكتابة دستور جديد يرسخ من خلاله ويكرس سيطرة والده وسيطرته هو وإخوته من بعده على موارد البلاد ورقاب العباد، عندما قمنا بشن حملة اعلامية واسعة لفضح ذلك المسعى منها مخاطبة ذلك الخبير علنا عن طريق إعلان مدفوع الثمن في صحيفة الجارديان اللندنية في عددها الصادر يوم 24 ديسمبر 2008 http://www.libya-watanona.com/news/lcu/lc25128a.htm تناولته كذلك صحيفة الكلمة في تقرير وافٍ بتاريخ 14 أبريل 2013. يمكن الاطلاع عليه باتباع هذا الرابط

http://www.libyanconstitutionalunion.org/kalima101_page9.pdf

 

وحافظنا كذلك على راية الاستقلال حتى استلمتها سواعد أبناء هذا الوطن الأشاوس في فبراير 2011 ليُحقّوا حقّا كان قد ساده الباطل لأكثر من 40 سنة.

 

في ختام هذا السرد الذي غلب عليه الطول لحساسية المواضيع التي تناولها أود أن أركز على ما يلي:

 

1.     اننا عندما نذرنا أنفسنا للتفرغ للقضية الوطنية والدفاع عن الوطن ومكتسباته التاريخية، لم نعِد أحدا بأننا سـ "نُنقذ" أو "نُخلّص" أو "نُحرّر" الشعب والبلاد من معمر القذافي ونسقط نظامه. فذلك أمر يحتاج إلى تكاتف الجهود ويحتاج إلى امكانيات لا نملكها وطاقات لا قِبَل لنا بها. فلم نُغرر بأحد ولا قدمنا وعودا لا نملك القدرة على تنفيذها.

 

2.     اننا عندما تقدمنا لخدمة الوطن قدمنا تصورا نابعا من تراث الشعب الليبي ومكتسباته التاريخية وثمار جهاد الأباء والأجداد، رأينا فيه مكانا للجميع على قدم المساواة، وحلاّ يُجنّب الليبيون الدوران في حلقات مفرغة (من سيقود ومن سيتزعم وأي أنظمة الحكم نطبّق ... الخ من هذه المتاهات التي لها أول وليس لها آخر)، وهي للأسف ما أُهدرت فيه الجهود وضُيعت فيه الفرص أيام المعارضة، حتى خرج الشعب ثائرا في منتصف فبراير 2011 ليزيحهم جميعا من طريقه برفعه لعلم بلاده الذي لم يتمكن المغرضون من منعه، ولكنهم للأسف نجحوا (مرة أخرى) في تهميش القضية الدستورية فأوقعوا البلاد في الدوامة التي تغرق في وحلها اليوم.

 

3.     اننا عندما أسسنا الاتحاد الدستوري الليبي لم نؤسسه بغرض تكوين حزباً سياسياً يستقطب أعضاءً يتم تأطيرهم لخوض اللعبة السياسية ودخول الانتخابات عقب سقوط النظام وما إلى ذلك من أمور ... ولكن هدفنا كان خلق كيان ننشر من خلاله الوعي الدستوري، ونفرض به على الساحة قضية "الشرعية الدستورية" التي كانت غائبة عن أذهان وضمائر الناس في تلك الآونة، ليكون بمثابة "حركة" واسعة وليس حزباً ضيقا. فستعجبين بأنني كنت أعرض على من قابلتهم من شخصيات ذات وزن في المجتمع الليبي رأوا في أنفسهم أنهم أكبر من الانضواء تحت راية الاتحاد الدستوري، بأن أرتّب لهم زيارات للملك ليجددوا له البيعة ولينشروا مبادئ هذه الفكرة بوسائلهم الخاصة التي لا تخضع لرقابة أو تحكم الاتحاد الدستوري، ولقد ذهبت إلى أبعد من ذلك بعرضي استلام رئاسة الاتحاد الدستوري الليبي على عدة شخصيات أكثر مني خبرة وتمرساً، وثقلا محليّاً ودوليّا أذكر منهم الأستاذ عبد الحميد البكوش، والأستاذ محمد بن يونس، والأستاذ منصور رشيد الكيخيا، والحاج محمد عثمان الصيد، وآخرون غيرهم، وكنت قد تناولت تفاصيل بعض منهم في حلقات سلسلة "تأسيس ونشأة الاتحاد الدستوري" التي أدرجت رابطها أعلاه لمن أراد الاستزادة.... وقد قمنا في المرحلة الأولى من تأسيس الاتحاد بخطوة اقترحها بعض الأعضاء بإصدار بطاقات عضوية للترغيب في ضم أكبر عدد إلى التنظيم الوليد، ولكننا سرعان ما انتبهنا إلى عدم مناسبة هذا الأسلوب مع توجهنا وغايتنا فطلبنا سحب هذه البطاقات وامتنعنا عن توزيعها بعد ذلك.

 

 

أما أمرّ ما سأختم به هذا الجزء، والله على ما أقول شهيد، فإنني عندما ذهبت إلى مصر في نهاية سنة 1982 للترويج لفكرة الشرعية الدستورية وإعادة البيعة للملك ... الخ ..بين أعضاء ووجهاء الجالية الليبية التي كانت تقدر بعشرات الألاف مقسمة بين الأسكندرية والقاهرة وكنت أنزل ضيفا على الملك والملكة في قصر الدقي طوال فترة بقائي في القاهرة. كنت أجد الملكة في انتظار عودتي كل ليلة لتبادرني بالسؤال من قابلت اليوم؟ فأجيبها فلان وفلان وفلان ... وكلهم شخصيات كبيرة تعرف معظمهم. وكنت أرى في عينيها وتقاطيع وجهها سؤالا يمنعها مقامها الرفيع وعزة نفسها السامية من طرحه مباشرة، ولكن معناه الواضح هو: "هل تجاوب معك أحد منهم؟".

وللأسف لم أتمكن ولا مرة واحدة- من قول ما كان سيسرها أو يجبر بخاطرها، بل لم يحمّلني أحد ممن قابلت حتى مجرّد السلام عليها أو على الملك !!!

 وبالرغم من شدة وقع ذلك عليها إلا أنني لم يكن لي أن أجاملها أو أراعي خاطرها فأقول لها ما كانت تتوق إلى سماعه، لمعرفتي اليقينية بأن هؤلاء القوم لا يجوز الكذب عليهم تحت أي ذريعة، ولا ينبغي التعامل معهم إلا بصدق وإخلاص، بالإضافة إلى يقيني بأنهم يرون بنور الله ويسمعون به، ويعرفون لحن القول من الكلام. وذلك ما أعانني عليه المولى سبحانه وتعالى الذي سخرني لخدمتهم وأعانني على ذلك حتى آخر نفس من أنفاسها رحمها الله عندما صعدت روحها إلى بارئها ظهر يوم يوم السبت 14 شوال 1430 هـ الموافق 3 أكتوبر 2009م وكفها الأيسر في يميني وكفها الأيمن في يسار شقيقي هشام.

 

أما المعلومة الأمرّ من هذه، والتي أستطعم علقمها كلما استحضرتها في ذاكرتي كما استطعمته أول مرة، وأرويها هنا للمرة الأولى، فهي أن الملك لبس كاطه يوم العيد وتجهّز لاستقبال المعيّدين بعد الاعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي ظنّاً منه أن مِن الليبيين من سيأتي للمعايدة عليه بعد أن عاد إلى أذهان الناس واندحرت أكذوبة أنه لا يرغب في زيارة أحد وأن زيارته تعد من المستحيلات...

 

جلس "سيدي ادريس" مرتدياً كاطه حتى أذان الظهر، فصلى ودخل غرفته عندما لم يأت أحد لزيارته !!!

 

وكما أسلفت أعلاه فإن مصر وحدها كانت مقراً لعشرات الألاف من الليبيين من مختلف مناطق ليبيا وطبقاتها الاجتماعية، وقد كانت بطاقات الاعلان عن الاتحاد الدستوري قد وصلتهم منذ عدة أيام قبل العيد !!!

 

في الجزء القادم سأتناول قضية "يهود ليبيا" إن شاء الله

 

عودة لأعلى الصفحة

 

 

 

 

(الجزء السابع)

 

حقائق حول موقف الشيخ محمد بن غلبون من الملك ادريس (رحمه الله)

نشر في صفحة انصاف بن غلبون Ensaf Benghalbon. على فيس بوك بتاريخ (06/11/2019)

قال شقيقي الشيخ محمد بن غلبون (حفظه الله):

أن اهتمامي بـ "يهود ليبيا" أو "اليهود الليبيون" كان دائما من منطلق أنهم مكون أصلي- من مكونات الأمة الليبية، وجزء من فسيفساء المجتمع الليبي، لهم بصمتهم على ثقافة المجتمع عبر التاريخ. أما تركيزي على قضيتهم فيعود إلى قناعتي الراسخة -والتي أعربت عنها في الأجزاء السابقة من هذا السرد وقدّمت أدلتي عليها- بأن هذه القضية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالدمار الذي حلّ بليبيا ابتداءً من إخراجها من المسار الحضاري التي كانت تسير فيه بخطى حثيثة بُعيد الاستقلال لتحقق انجازات عملاقة خلال تلك الفترة الوجيزة (18 سنة) في ظل عرش وبركة- الملك ادريس رحمه الله، لتُقذَف في متاهة حكم العسكر بقيادة ضابط مجهول، واضح ارتباكه النفسي واختلاله العقلي، لينتهي بها الحال إلى هذه المأساة التي أتت على أخضرها ويابسها، وأدت إلى تشظيها وتهدد بتقسيمها لُقماً سائغة في محاصصات دولية وإقليمية ستكشف الأيام عنها.

 

فمنذ تلك "الاستفاقة" التي أحدثها فيّ كلام ذلك المسؤول الأمريكي الذي قابلته في واشنطن دي سي سنة 1984، والذي قال لي فيه "إنه شخصياً يظن أن حماماً من الدم هو ما يحتاجه الشعب الليبي ليغتسل من خموله وغطرسته ليصبح أجدر بالتمتع بالثروة التي تفجرت تحت أقدامه من دون استحقاق".!!! [[ http://www.libyanconstitutionalunion.org/hyatrtcl.htm ]] والذي أُشهِدُ التاريخ على أنني جهرت به في كل فرصة أتيحت لي، في زمن معارضة القذافي وبعد الثورة، وتحدّثت عنه في كل جزء من هذه الأجزاء تقريبا، والذي قادني في نهاية المطاف- إلى القناعة بأن ما حلّ ببلادي ما هو إلا بدافع الانتقام ليهود ليبيا على ما حلّ بهم خلال وبعد حرب الأيام الستة، أو ما يسميه العرب بنكبة 5 يونية 1967.

 

ومنذ وصولي لتلك القناعة وأنا أحاول تجميع إجابات على أسئلة "ما الذي حل باليهود الليبيين في ذلك اليوم المشؤوم؟" و"ما هي أبعاد وتبعات ونتائج ذلك"؟ "وكيف تم توظيفه؟"، و"من قِبَل من"؟

إجابات تكون دقيقة ومحايدة وموضوعية، تقوّي حجة من يتبناها وتصمد في وجه من يتحداها، بعيدة عن التزوير والتهويل بغرض تحويلها إلى ورقة ضغط في مساومات تعويض وابتزاز، وبعيدة كذلك عن الإنكار وتغييب الحقائق أو تسطيحها للتقليل من معاناة الآخرين وتسخيفها. وقد عقدت العزم والنيّة على التحقيق في هذه القضية بكل حياد وتجرّد، وابتعاد عن الظلم والاجحاف؛ فنحن قومٌ حُرِّم علينا الظلم بشتى أصنافه، بداية من ظلم أنفسنا إلى ظلم الآخرين.

 

فكانت أول عقبة واجهتها لتحقيق ذلك هي غياب المراجع الموثوقة، أو الوثائق الجديرة بالثقة. واعتماد الذاكرة الجماعية على معلومات شفوية تنقصها الدقة والتواتر وتغلب عليها العاطفة النابعة من الغبن بسبب هزيمة يونية 1967، وفاقَمها القهر والظلم والهوان الذي يتجرعه الفلسطينيون بلا هوادة على أيدي الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة. وذلك باستثناء كتاب ليبي- واحد سآتي على ذكره لاحقا في سياقه، من الواضح أن مؤلفه كان على وعي بحجم وأبعاد قضية اليهود الليبيين فتناول الجزء التاريخي الذي غطاه بحرفية تستند على البحث العلمي والترتيب الأكاديمي المدعوم بالوثائق التي لا ترقى إليها الشبهة، وقد استفدنا منه إلى حد كبير كما سيتضح عندما نصل إليه أثناء تناولنا لهذا الجانب التاريخي من "الأطماع الصهيونية في ليبيا".

 

أما على الجانب المقابل فكانت هناك وفرة في "المراجع" التي تقدم "الحقائق" -بلسان الضحيّة- من وجهة نظر منحازة يغلب عليها التهويل والمبالغة، ولكنها مكتوبة من قِبل محترفين اعتمدوا فيها على الروايات الشفوية المباشرة من أشخاص معاصرين يروون مآسيهم الحقيقية، مدسوس بين ثناياها معلومات مغرضة. كما توفر مستندات منتقاة بعناية ليدعم بعضها البعض، لتتحول في نهاية المطاف من تظلّم إلى صحيفة اتهام وإدانة مسبقة.

وعندها لجأت إلى "مكتب الوثائق العامة البريطاني" كما كان يدعى وقتها وصار اسمه الآن "مكتب الأرشيف الوطني" الذي يحتوي جميع الوثائق الرسمية للحكومات البريطانية، ومن بينها الوثائق السرية التي يفرج عنها بعد مرور 30 أو 50 أو 75 سنة على أحداثها. وفيها قضى طاقم البحث الذي كلفته بتلك المهمة والمكون من رمضان أبوكنيشة ومصطفى بن يونس وشقيقي هشام عشرات الساعات على مدى فترة طويلة لتجميع وثائق وزارة الخارجية البريطانية، ووثائق الإدارة البريطانية التي كانت تحكم ليبيا في الفترة ما بين انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى نيل ليبيا للإستقلال الكامل سنة 1951، وهي الفترة التي اندلعت فيها حادثتان من الثلاثة حوادث التي تستند عليها الرواية اليهودية في ملف إدانتهم وتظلمهم. وكذلك محاضر مجلس العموم البريطاني، وتقارير الصحف البريطانية الصادرة في تلك الفترة، ومن ضمنها الصحف اليهودية مثل "جويش كرونيكال"، و"جويش آوت لوك" . كما استعنت ايضا بمراسلات تمت بين "المجلس العالمي لليهود" و وزارتي الحرب والخارجية البريطانية، بالاضافة إلى مصادر دبلوماسية وسياسية لدول أخرى.

 

من محاضر مجلس العموم البريطاني  ليوم 27 نوفمبر  1945

 

رسالة من المجلس العالمي لليهود ( قسم اوروبا) الى وزير الخارجية البريطاني ارنست بيفن (27 نوفمبر 1945)

صورة من تقرير الادارة العسكرية البريطانية الحاكمة (23 يونية 1948)

 

وعندها فقط صار بحوزتنا حصيلة كافية من المعلومات الصحيحة التي تخولنا إلى النظر في هذه القضية محصّنين ضد خطر اتباع الهوى أو الانجراف -في أي من الاتجاهين-. وقد خصصنا جزءً كاملا لهذا الموضوع باللغتين الانجليزية والعربية في موقع أرشيف الاتحاد الدستوري الليبي  [http://www.libyanconstitutionalunion.org/libjewsdocs.htm#1of3]  استفاد منه كثير ممن كتبوا في هذا الموضوع، ولكنهم للأسف لم يتقيّدوا بما تقتضيه المهنية أو الأخلاق بعزو المادة المستقاة أو المقتبسة من هذا الموقع إليه، وقد شجعهم كوننا اعتمدنا منذ البداية- سياسة عدم وضع "لوجو" الاتحاد على أي من الوثائق أو الصور التي ننشرها لتشجيع المؤرخين والباحثين على الاستفادة من المادة التي نوفرها، تاركين أمر العزو إلى المصادر لضمائرهم التي للأسف لم يفاجئنا أحد بالالتزام بها. ولعله من المناسب أن أذكر هذه الطرفة في هذا السياق؛ وهي إقدام بعضهم على إنشاء صفحة خاصة بموضوع يهود ليبيا في موقع "ويكيبيديا" الموسوعة الحرة ، نسخ جلّ مادتها من موقعنا لدرجة أننا عندما أدرجنا نبذة قصيرة بعده بمدة عن يهود ليبيا ضمن موضوع آخر في ويكيبيديا اعترض علينا محرروا الموقع المسؤلون عن قبول المواضيع المنشورة فيها بحجة أن المادة التي أدرجناها هي ملك لغيرنا ولا يجوز لنا إعادتها إلا بإذنه!!! وعندها فقط اكتشفنا هذا الموضوع ولفتنا انتباههم إلى أننا نحن أصحاب المادة الأصلية وأننا نحن ضحية القرصنة وليس العكس!

 

وكانت أولى محاولاتي للفت الانتباه إلى هذا الموضوع وطرحه للنقاش لتحقيق الهدف المرحلي الأول، وهو إدخاله كعنصر من عناصر البحث عن حل للقضية الليبية، يُفضي إلى التخلص من نظام القذافي، عندما كتبت مقالا في صحيفة الحياة اللندنية سنة 1995 اختصره محرر الصفحة واختار له عنوان "ويهود ليبيا!"، توجد نسخة منه في الصفحة المذكور (ولم يكن بحثي الذي أسلفت ذكره قد اكتمل بعد) ، ختمته باالقول: "لا أظن أن هناك ما يمنع الليبيين المهاجرين والمعارضة من اتخاذ خطوة في اتجاه إخوانهم في الوطن من اليهود، خاصة وقد تشابهت ظروفهم، لإعادة بناء الجسور الودية التي كانت تربط بينهم من أجل الحق والعدالة وكل ما هو طيب وجيد في الطبيعة الليبية".

لم يلاق المقال أو الاقتراح أي اهتمام لا ليبياً ولا عربياً مما صعّب علينا الاستمرار في نشر المزيد. ولا ينبغي الغفلة هنا على أن مساحات النشر كانت وقتئذ محدودة جدا إلا في بعض الصحف التي كانت تهتم بالقضية الليبية وتتيح بين الفينة والأخرى الفرصة للنشر في صفحاتها.

 

ثم رصدنا في شهر يولية 1997 تحركاً إعلامياً مريباً بدأ بـنشر صحيفة "هيرالد تريبيون" ذائعة الصيت مقالا للمدير التنفيذي للجمعية اليهودية-الأمريكية في نيويورك ديفيد هاريس تناول فيه مشاكل اليهود في الدول المغاربية في نهاية الأربعينات وتطرّق إلى الاضطرابات التي وقعت في طرابلس الغرب في السنوات بين 1945 و 1949، وتشير إليها المصادر اليهودية بمصطلح "POGROM" (الذي يعني مذبحة) أتاح لنا فرصة الرد عليه ولفت الانتباه إلى أن الموضوع لا يتوقف عند مجرد التذكير بهذه الأحداث لمجرد الترحم على أرواح الموتى، بل يجب النظر إليه كبالونة اختبار ينبغي التعاطي معها بالكيفية الصحيحة. فتجاوبت معنا صحيفة الحياة اللندنية وفتحت لنا صفحاتها بعد أن اطلعت على المادة التي ننوي نشرها- ورضت بأنها في المستوى الأدبي والقانوني الذي يليق بالصحيفة، فنشرت فيها دراسة توثيقية بعنوان " هجرة اليهود من ليبيا كما وردت في الوثائق"  في 3 حلقات على مدى 3 أيام متواصلة، تستند بالكامل على المصادر التي أسلفت ذكرها لتدحض كل ما جاء في تلك الاتهامات.

 

 

فعلى الجانب الأول دفعنا بأن كامل المسؤولية عما حدث ليهود ليبيا في أحداث 1945 & 1948 تتحمله بريطانيا العظمى لأنها كانت تدير البلاد في ذلك الوقت، وأن ليبيا ليس عليها أي التزام بتعويضات مادية عن خسائر اليهود في تلك الأحداث لأن الدولة الليبية لم تكن قد ولدت بعد.

وعلى الجانب الثاني فقد طعنّا في الأرقام والإحصائيات المقدمة في المصادر اليهودية بمقارنتها بالأرقام والإحصائيات الرسمية ومحاضر الشرطة التي كانت تقدمها الإدارة العسكرية البريطانية في ليبيا لحكومتها، وتحاسب عليها الحكومة في البرلمان، والتي كانت دقيقة وفوق الشبهات، وتقدم أرقاماً واحصائيات لضحايا من بين المواطنين المسلمين، وليس من بين اليهود فحسب. قدمنا كذلك تفاصيل موثقة للظروف التي قادت لتلك الأحداث، وسلطنا الضوء على الدور المشبوه الذي كانت تقوم به أذرع المنظمات الصهيونية التي كانت تكثف نشاطاتها لتشجيع اليهود العرب على الهجرة إلى "أرض الميعاد" وتحرضهم على التمرد وإثارة الشغب في البلدان التي يعيشون فيها بسلام لمدة مئات السنين، إن لم نقل آلاف السنين في حالة البعض من اليهود الليبيين الذين كانوا يستوطنون ليبيا من قبل الفتح الاسلامي، (بل إن المصادر التاريخية الموثوقة تثبت أن أحد أتباع سيدنا المسيح عليه السلام كان من يهود شحات ويدعى "سمعان القوريني"، وكذلك القديس مرقس/ماركوس الذي يعرف بمرقس الليبي، ومرقس الانجيلي في بعض المصادر المسيحية.)

بينما البعض الآخر كان من اليهود الذين لجأوا إلى ليبيا من الأندلس فرارا من محاكم التفتيش الكاثوليكية التي مارست عليهم وعلى المسلمين الاضطهاد والإكراه للتخلي عن دياناتهم واعتناق الديانة المسيحية. ويمكن التمييز بين الفئتين بالفرق بين لكناتهم عند الحديث باللهجة الليبية، فالفئة الأولى يتحدثونها بطلاقة لا يمكن تمييزهم عن جيرانهم، وأبرز الأمثلة عليهم هي لهجة الشاعر اليهودي المرجاوي "كليمنتي أربيب" المشهور بـ "بوحليقة" والذي يعده متخصصوا الشعر الشعبي الليبي من فحول الشعراء الشعبيين في وقته، وكذلك الأسر البنغازية العريقة. أما من كانت أصولهم أندلسية فتغلب على لكنتهم اللهجة التونسية في نطق حرف القاف.

 

قدمنا الأدلة كذلك على أنه عقب انتصار الجيش البريطاني (قوات الحلفاء) على ايطاليا (قوات المحور) وطردها من ليبيا، شرع المجندون اليهود في الجيش البريطاني (والذين كانوا يكوّنون ما كان يُعرف بكتيبة فلسطين) في الدعاية المنظمة للصهيونية. وأقتبس هنا هذه الفقرة من أحد المصادر التي استعنا بها وهو كتاب قيّم جدا اسمه "أنبياء في بابل: يهود في العالم العربي" للكاتبة والصحافية اليهودية المرموقة "ماريُن وولفسُن"، المعروفة باعتدالها ورصانتها الأكاديمية نقلته عن صحيفة (جويش آوت لوك، لندن، مايو 1946)  Jewish Outlook, London, May 1964 جاء فيه:

أن تلك الدعاية للصهيونية كانت تتم عن طريق ((تنظيمات شبيبة الكشافة الصهيونية شبه العسكرية، والذين كانوا يجوبون الشوارع بصورة استفزازية مرددين الأناشيد الصهيونية. وقد أدت وفرة الطعام والملابس التى وفرها هؤلاء الجنود إلى جذب اهتمام السكان اليهود، الذين عانوا كثيرا من جراء شراسة وهمجية دول المحور، أكثر من الدعاية الصهيونية، ولكن الجمع بين الامرين كان طُعماً يصعب مقاومته، و خاصة لجيل صغار السن)) [انتهى الاقتباس].

 

   

بقية التفاصيل لجزئية دحض الإدعاءات الخاصة بما يسمونه "مذبحتي" 1945 & 1948 يمكن الاطلاع عليها في الصفحة الآنفة الذكر على موقع أرشيف الاتحاد، ويمكن اعتبار أن تلك الأحداث كانت تمثل نقطة تحوّل في تاريخ التعايش السلمي الذي كان سائدا بين مسلمي ويهود ليبيا لقرون طويلة قبل أن تُلقي قضية إنشاء دولة يهودية في فلسطين بظلالها عليهم وعلى ذوي الأصول اليهودية في شتى بقاع العالم، وتوقظ في نفوس بعضهم أحلاماً كانت تراود بعضهم بالعودة إلى "أرض الميعاد"، ومن ثم تولّد حساسيات بينهم وبين جيرانهم في الأرض وإخوانهم في الوطن لم تكن جزءً من العلاقة الودية بينهم، ولا شك في أن التوظيف السياسي الذي أقدمت عليه المنظمات الصهيونية (كما في المثل الذي ضربناه أعلاه، وكثير غيره في ثنايا الوثائق التي قدمناها ولا يمكن الاستدلال بها في هذا السرد لطولها وكثرتها، ولكنها متوفرة، في إصلها باللغة الانجليزية ومترجمة إلى اللغة العربية، للمؤرخين ولمن يجد نفسه مضطرا للخوض في هذه القضية الحساسة) ، فقد لعبت تلك المنظمات دورا محسوبا ومدروسا بدقة وصرامة لا رحمة فيها لتحقيق غايتها بخلق دولة يهودية في فلسطين تجلب لها سكانا من أصقاع الأرض لإعمارها، يعبّر عنها شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" الذي كان يرفعه زعماء الحركة الصهيونية مثل ثيودور هيرتزل واسرائيل زانجويل.

فالمخطط الصهيوني بحسب الوثائق المتوفرة لدينا- كان يذهب إلى حد خلق الظروف العدائية التي تجعل مِن يهود البلاد العربية مَن يفقدون شعورهم بالأمان في البلاد التي ولدوا وعاشوا فيها ليصبح خيار الهجرة إلى اسرائيل أكثر بريقا، خاصةً عندما يضاف إليه عنصر الحوافز المادية التي كانت توفرها لهم.... كذلك فإن بعض الوثائق تشير إلى تواطؤ بريطاني على مستوى سياسي عالي للمساعدة في تحقيق هذه الغاية !!! ... ولكن التشعّب إلى هذا الموضوع سيخرجنا من سياقنا هنا ويطيل هذا الجزء -الذي لم نبدأ في الجانب الأهم والأكثر حساسية وخطورة منه بعد- ولكن قبل أن أغادر هذه الجزئية (أحداث 1945 & 1948 الدموية) لابد من التركيز على ما يهمنا كليبيين- بأن تلك الأحداث كانت أمرا مؤسفا راح ضحيتها "إخوة في الوطن" -يهود ومسلمون- ، وأنتجت حزازات وكراهية تجذّرت وانتقلت من جيل إلى جيل بسبب قضية يبعد مسرح أحداثها ألاف الأميال عن موقع قتلهم، ولم يسبق لأي منهم زيارته.

 

أنصح أيضا المهتمين بهذه القضية الاطلاع على المقال التوثيقي الذي نشرناه في ذات الصحيفة بتاريخ 20 سبتمبر 1997 تحت عنوان : " هجرة اليهود الى فلسطين وقصة الوطن البديل"

والذي يكشف أن "الأطماع الصهيونية في ليبيا تعود الى ماقبل أكثر من مائة عام"، وأن "برقة" و"سرت" كانتا من بين البقاع التي كانت على قائمة الاختيارات لأقامة دولة اسرائيل، استند هذا المقال بصفة رئيسية على مصدر ليبي هو الكتاب الوثائقي القيّم الذي أشرت إليه آنفا، والذي ألفه الأستاذ مصطفى عبد الله ابعيّو، ونشره في مارس 1975 بعنوان "المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في ليبيا".

 

 

 

أنتقل الآن إلى الجزء الأكثر أهمية وخطورة، والذي له علاقة مباشرة بمأساة ليبيا، وهي أحداث يونية 1967 التي راح ضحيتها عشرات اليهود الأبرياء، وتعرض خلالها المواطنون الليبيون اليهود إلى الترويع والظلم من إخوتهم في الوطن وجيرانهم ومن عاشوا بينهم في شوارعهم وأزقتهم ومحلات تجارتهم أجيالا بعد أجيال، في غضبة جماهيرية هوجاء سادت فيها عقلية القطيع الهائج الذي أثارته الهزيمة النكراء التي تلقتها الجيوش العربية من قِبل الجيش الاسرائيلي الذي كانوا يتوقعون من "جمال" "زعيم الأمة العربية" الذي كانت خطاباته وأبواق إعلامه قد غسلت (أو قل ظلّمت على) عقولهم وشلتها عن التفكير، حتى صاروا لا يتصرفون إلا بما تمليه عليهم عواطفهم التي تحركها خطاباته ومقالات هيكل وزعيق راديو صوت العرب، كانوا يتوقعون أن "يرميهم هم ومن ورائهم- في البحر"، كما وعدهم في خطاباته وصدقوه- فأفرغوا غلهم وسخطهم وهمجيتهم على العوائل اليهودية العُزّل في مشهد ما زالت ذاكرتي مملوءة بصور المتظاهرين الهائجين وهم ينهبون محلات التجار اليهود ثم يضرموا فيها النيران .

وما زاد من عار ذلك اليوم هو تخاذل السلطة وتقاعسها عن حماية مواطنيها اليهود، حتى انتهى الأمر بعد عدة أسابيع إلى مغادرة اليهود لليبيا وتشتتهم في دول متعددة من ضمنها اسرائيل.

وقبل أن أسترسل هنا أود أن أذكّر بأن كثيرا ممن تعرضوا للترويع والأذى في ذلك اليوم كانوا قد رفضوا مغادرة مدنهم وقراهم في ليبيا والهجرة إلى اسرائيل قبل 20 سنة مضت إثر أحداث 1948 التي اشتعلت عقب إعلان قيام دولة اسرائيل في أرض فلسطين، وأعرضوا عن العروض المغرية التي كانت تقدمها المنظمات الصهيونية، معتبرين أن هذه البلاد مسقط رأسهم ووطنهم الذي يفتخرون بالإنتماء إليه ويجدون فيه أمنهم ومستقبل أولادهم. كما ينبغي كذلك عدم إغفال أن ذلك كان قبل اكتشاف البترول؛ أي عندما كانت البلاد تعاني من فقر مدقع وجهل ومرض من جرّاء عهد الإستعمار الإيطالي البغيض، والحروب الطاحنة بين قوات الحلفاء والمحور التي كانت تدور رحاها على أرضها.

 

أما النقطة الأهم هنا فهي أن ليبيا قد صارت دولة مستقلة، وبالتالي فهي مسؤولة قانونيا على حماية أقلياتها بحسب الأعراف والقوانين الدولية، وكذلك فإن العدوان هذه المرة- كان من طرف واحد، وليس مناوشات ومشادات إدت في النهاية إلى اشتباكات مسلحة (كما في أحداث 1945 & 1948).

 

وقد تناولت هذا الموضوع بتفاصيله ووثائقه في رسالة مفتوحة بعنوان " المنظمات الصهيونية تسعى للسيطرة على ليبيا بعد تسوية القضية الفلسطينية" موجهة إلى رئيس الجالية اليهودية الليبية في بريطانيا، نشرتها لنا صحيفة الحياة على صفحة كاملة بتاريخ 09/01/2006 أقترح على من له اهتمام بهذا الموضوع قراءتها والإحاطة بما تضمنته بالنقر على الرابط. صحّحت فيها كثيرا من المغالطات والمبالغات التي وصلت في بعض الأحيان إلى حد الإفتراءات، وبينت فيها الدور الخفي الذي كانت تلعبه المنظمات الصهيونية العالمية مرة أخرى- في تسخير الأقلية اليهودية في ليبيا لخدمة أغراض لا تمت لمصلحة تلك الأقلية بصلة مباشرة، لتتمكن تلك المنظمات من "ليّ ذراع الدولة" للرضوخ لمطالب أخرى، سأكتفي باقتباس بعض فقراتها هنا ولن أنشرها بأكملها؛ أولا لطولها، وثانياً كونها مجهزة في صيغة مقال للنشر في صحيفة ورقية لا تسمح محدودية النشر هنا بها.

فعلى سبيل المثال تضمنت هذه الرسالة تفاصيل نشاطات كانت تقوم بها منظمات يهودية عالمية نافذة على رأسها الهيئة الأميركية اليهودية التي زار رئيسها "لويس كابلن" ليبيا صيف 1961 تهدف إلى الضغط على الحكومة الليبية باستعمال تلك الأقلية لوضعها في موقف الدفاع عن النفس من موقع ضعف بكيل اتهامات لها بالتضييق على رعاياها اليهود ومنعهم من حقوقهم وممارسة العداء للسامية ضدهم ، الخ من وسائل الضغط المعروفة. نتج عن تلك الزيارة رفعُ زعماء الطائفة اليهودية الليبية (ليللو ربيّب، وهاي جلام، وكليمنتي حبيب، وأنجلو ناحوم، وبنحاس نعيم) عريضة إلى رئيس الحكومة الليبية محمد عثمان الصيد تطالبه بالمزيد من الحقوق لليهود.

وقد وصل تدخل تلك المنظمات إلى درجة إقناع الممثل السابق لهيئة الأمم المتحدة والشخصية التي تحظى باحترام وتقدير في ليبيا "إدريان بلت" أثناء زيارته إلى ليبيا لحضور الإحتفالات بالذكرى العاشرة للإستقلال للقيام ببعض التحريات السرّية لمصلحتها إلا أن التقرير السرّي الذي قدمه لها، والمنشور في الصفحة رقم 230 من كتاب المؤرخ اليهودي رينزو دي فيليشي جاء مخيبا لآمال تلك المنظمات، اذ جاء فيه: إن العداء للسامية كما هو مفهوم عند الغرب لم يكن له أساس في ليبيا. إلا أن شعور الناس بالعداء ضد إسرائيل قوي جدا ((...)) وعلى مستوى العلاقات الشخصية لم تكن هناك مشاعر موجهة ضد اليهود، وكانت هناك لقاءات شخصية بين العرب واليهود ((...)) [انتهى الاقتباس من التقرير]..

 

وعلى الرغم من ذلك فقد مارست المنظمات اليهودية العالمية ضغوطاً مكثفة ومدروسة على الدولة الليبية الوليدة بدعاية تظهرها وكأنها معادية للسامية، كما ذكر المؤرخ اليهودي آنف الذكر مما دفع الحكومة الليبية للجوء الى زعماء الطائفة اليهودية فى ليبيا لإصدار بيان رسمي موجه للأمم المتحدة يكذّبون فيه الإتهامات الموجهة اليها بمعاداة السامية، إلا أنهم رفضوا تلبية طلب الحكومة، مما يبيّن تعاطف أولئك الزعماء مع المنظمات الصهيونية، إن لم نقُل تآمرهم معها.

قدمت في هذه الرسالة كذلك وثائق تثبت زيف تقارير المنظمات اليهودية إلى الحكومة الكندية عن وجود اضطهاد لليهود في ليبيا، اضطر من كثرتها- وزير الخارجية الكندي إلى توجيه رسالة إلى السفير البريطاني في طرابلس يستفسر فيها عن صحة هذه المزاعم، نشرتها مع أرقامها الإشارية في الرسالة السالفة الذكر والتي كان رد السفير البريطاني عليها كالتالي:

 

لنا الشرف أن نرد على رسالتكم المؤرخة في 15/10/1964 بخصوص وضع اليهود في ليبيا:

إن عدد اليهود في ليبيا يتراوح بين 6500 و7000، والغالبية تعيش في طرابلس. وباستثناء عدد قليل ممن يشتغلون بالأعمال اليدوية كالنجارة وتحضير الأطعمة والخمور الخاصة باليهود، فإن معظمهم من التجار وأصحاب المحلات التجارية ومعتمدي الوكالات والعمولات التجارية. ولا نعدو الصواب إن قلنا إنهم يتمتعون، في الوقت الحاضر كما هي الحال في كل ليبيا - بانتعاش اقتصادي لم تر مثله طائفتهم في تاريخها الطويل كله)). ....

ويستمر السفير البريطاني في تقريره قائلا: ((ليس هناك تمييز رسمي ضد اليهود. لكن وضعية التوتّر بين الدول العربية وإسرائيل تؤدي بين الحين والآخر إلى ظهور بعض التهجمات في الصحف المحلية متهمة بعضهم بالعمالة للصهيونية، وينتج عن ذلك انتشار للشغب المعادي لليهود في بعض المناسبات. (...) ولكن من الإنصاف أن نذكر بأن جزء كبيراً جداً من الأعمال المحلية بيد اليهود، ومن ضمنها كثير من أثمن الوكالات التجارية البريطانية)).

ثم يضيف السفير البريطاني في تقريره معلومة مهمة جدا للطرفين (العرب واليهود) الليبيون فيقول:

((ولهذا السبب، ولأن يهود ليبيا يعتبرون من شعوب البحر الأبيض المتوسط، ولهم تاريخهم العريق والذي يعود إلى زمن الرومان، فإن من المستبعد أن يرغب كثير منهم في الهجرة إلى كندا ما لم يكونوا تحت ضغوط قاهرة [...] وفي الحقيقة هناك 300 شخص يهودي له الحق في المطالبة بالجنسية البريطانية باعتبار أن أسلافهم ولدوا في جبل طارق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبطبيعة الحال فإنه يحق لهؤلاء (الـ 300) أن يطلبوا الحصول على تأشيرة الهجرة إلى كندا وفقا للقوانين الجارية. وربما يوضح كيف يُنظر إلى موضوع الهجرة أن الطلب الوحيد الذي تعاملت معه قنصليتنا أخيرا هو المتعلق بعائلة حبيب موضوع رسالتكم لنا بتاريخ 30 آب (أغسطس) 1963- والذي أسفر عن هجرة فرد واحد من العائلة إلى كندا على رغم تمتع باقي أفراد العائلة بالحق نفسه)) انتهى النقل عن السفير البريطاني.

 

كذلك فقد وجدت بالبحث والتقصي واستنطاق الوثائق والمراجع أن أحداث ذلك اليوم وما تلاه قد تم التصرف في حقائقها وتهويلها وقلب بعضها وخلط أوراقها لتوظيف تلك المأساة لتحقيق أجندة خبيثة الهدف منها وضع ليبيا في موضع الدولة الجائرة التي تضطهد أقلياتها ولا تحترم اختلافهم الديني لتستعمل لاحقا كذريعة لجعلها لقمة سائغة للمخططات الصهيونية المتنفذة في دوائر النفوذ واتخاذ القرار في الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إحياء الأطماع الصهيونية في ليبيا بعد أن يتكفل عميلهم القذافي- بتدمير البنية التحتية للبلاد لتعم الفوضى والانفلات الأمني.

ومن الأمثلة على ذلك هو ما تردده المصادر اليهودية بلسان الضحية- من أنهم "أُجبروا" على مغادرة ليبيا ولم يُسمح لهم إلا باصطحاب حقيبة واحدة ومبلغ عشرون جنيه نقدا. وهذا التظلم جاء على لسان رئيس الجالية اليهودية الليبية في بريطانيا رافائيل لوزون في خطابه أمام مؤتمر الأقباط العالمي في واشنطن في شهر نوفمبر2006، والذي دفعني إلى الرد العلني عليه في الرسالة المنوه عنها أعلاه، بينما الحقيقة -بحسب المصادر- هي أن قرار مُغادرة ليبيا على عجل قد اتخذه زُعماء الجالية اليهوديـة، ولم تطردهم الحكومة الليبية، وبالتحديد جاء الطلب الرسمي من زعيم الطائفة "ليللو ربيّب" في رسالة لرئيس الوزراء حسين مازق بتاريخ 17 يونية 1967 يطلب فيها السماح بالسفر لليهود الراغبين في مغادرة البلاد. الأمر الذي لم تتردد الحكومة في قبوله لتتخلص من تلك الورطة التي وجدت نفسها فيها، فلم يأت يوم 20 من ذات الشهر إلا وإدارة المهاجرة قد جهزت وثائق السفر وابتدأ برنامج الرحيل.

أما بالنسبة لذلك لمبلغ النقدي الزّهيد فإن ذلك كان بناءً على قانون مراقبة النقد المعمول به في ليبيا في ذلك الوقت، والذي يمنع أي مواطن ليبي من حمل أكثر من عشرين جنيه ليبي نقداً، ولم يطبق على اليهود حصراً. وينص ذلك القانون على إمكانية تحويل أي مبلغ في الحالات التي ينص عليها القانون عن طريق بنك ليبيا على شكل شيكات سياحية أو اعتمادات مصرفية أو خطابات ضمان. أما الحقيبة الواحدة فكان لعدم توفر مساحة كافية في البواخر والطائرات الايطالية التي تكفلت بنقلهم، وليس قرارا حكومياً.

 

هذا من جانب تصحيح "الحقائق" المستعملة في إقامة الحجة على الدولة الليبية، أما السؤال الغامض الذي يفرض نفسه عليّ وأنا أعد تلك الرسالة المفتوحة فهو: لماذا يطلب زعماء الطائفة مغادرة البلاد في هذه العجالة وهم من اختاروا البقاء سنة 1948 ، وقد كانت خسائرهم في تلك الأحداث أكبر بكثير من خسائرهم هنا؟ وأنهم -وبحسب مصادرهم التي اطلعنا عليها- قد صار أكثر من 50% منهم أغنياء بعد مرور أقل من 6 سنوات على اكتشاف البترول، بينما أصبح من بينهم من يُعتبرون من أثرياء البلاد!!!

 

 

لا شك في أن أحداث ذلك اليوم المشؤوم، وفشل السلطة في التعاطي معها بالحزم والعدالة والمسؤولية اللازمة، ثم مع الأزمة التي انبثقت منها، وعدم إدراك المسؤولون لحجم ومغبّة عواقبها، بالإضافة إلى سوء إدارتها لهذه الأزمة لاحقا كانت المسمار الأكبر في نعش العهد الملكي (إن جاز التعبير)... فلم تقتصر تلك الأحداث على مجرد مظاهر السلب والنهب من قِبَل الغوغاء التي أسلفت ذكرها، لكنها بلغت حد القتل بدم بارد في الجريمة المشهورة التي اقترفها ضابط في الجيش الملكي الليبي عندما أمر جنوده بقتل أسرتين يهوديتين بأكملهما. وبالإمكان الاحاطة بكامل تفاصيل تلك الجريمة النكراء في ردّي على ما نشره رئيس الجالية اليهودية الليبية في بريطانيا سنة 2007 بعنوان " تصحيح لبعض المعلومات الواردة فى مقالة رفائيل لوزون حول واقعة قتل بعض أفراد عائلته فى ليبيا" الذي نشرته على المواقع الليبية بتاريخ 18/02/2007 .

 http://www.libya-watanona.com/news/lcu/lc18027a.htm

وقد كان رافائيل لوزون قد نشر مقالا بعنوان " أي قانون وأي شريعة تبيح إبادة أسرة يهود ليبيين بكاملها" غازل فيه نظام القذافي من خلال تقديم معلومات عن تلك الجريمة التي كانت ضحيتها بحسب روايته- عائلة عمه شالوم لوزون المكونة من 8 أشخاص بينهم طفل رضيع.

 

وعن هذه الجريمة تحديدا أخبرني العقيد الركن عبد العزيز الشلحي أثناء زيارته لي في بيتي في مانشستر شتاء سنة 1989 عندما أثرت معه موضوع أحداث يونية 1967، وتحديدا حادثة قتل ضابط في الجيش الليبي لأسرتين يهوديتين بأكملهما، بأن حكومة السيد عبد القادر البدري، التي خلفت حكومة السيد حسين مازق في ليبيا عقب أحداث يونية 1967 كانت جادّة في تتبع الوقائع الثابتة من أجل أن تأخذ العدالة مجراها فى تلك القضية الجنائية الحرجة. وأنها طلبت من قيادة أركان الجيش الليبي التحقيق في دعوى القتل المشار إليها لتتخذ الموقف المناسب بناءً على نتيجة التحقيق.

وزادني بأنه تم بالفعل تشكيل لجنة من بعض كبار ضبّاط الجيش الملكي الليبي، مثَل أمامها المتهم (المقدم مصطفى القريتلي) الذي اعترف بفعلته منذ اللحظة الأولى حيث أفاد بأنه قد أمر جنوده بإطلاق النار على أفراد العائلة المشار إليها بواعز من نفسه نابع من مشاعره ومعتقداته القومية والناصرية، وأنه لم يتلق فى هذا الخصوص أية أوامر عليا، كما لم يقم بالتنسيق مع أيّة جهة في داخل الجيش أو خارجه.

وختم بالقول بأنه بعد أن تحقّقت اللجنة من صدق أقوال المتهم رفَعت، تقريرها -بناءً على أوامره- إلى رئيس الحكومة تنفي فيه الواقعة من أساسها!!! وقد غرّر ذلك التقرير بالحكومة وجعلها تغلق أبواب الحوار مع الجهات الدولية التي كانت تطالبها باتخاذ الموقف الإنساني المناسب والإجراءات القانونية اللازمة. مضيفاً بأنه أمر بذلك بدافع "الغيرة على سُمعة الجيش". وهي نفس الذريعة التي منعت الشخصيات المسؤولة فى إدارة الجيش الليبي -بأوامر من العقيد الركن عبد العزيز الشلحي- من القبض على ضباط انقلاب القذافي عندما تصنتت المخابرات العسكريّة على اجتماعاتهم واطّلعت على مخططاتهم، كما أخبرني بذلك العقيد الركن عزيز شنيب أثناء لقائي به في قصر الملك في القاهرة صيف سنة 1983 في الفترة ما بين استقالته كسفير في الأردن وانضمامه للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في سبتمبر 1983.

 

وقد أدانت تلك المحكمة العسكرية الجاني مصطفى القريتلي وأودعته السجن العسكري إلى أن أفرج عنه القذافي بعد قيام الانقلاب.

 

ويجدر التنويه إلى أنني لم أذكر اسم العقيد ركن عبد العزيز الشلحي (توفي سنة 2009) كمصدر معلوماتي في رسالتي أعلاه المنشورة في فبراير 2007 مراعاة لأمنه.

 

 

كانت تلك الجريمة هي الأبشع، ولكنها لم تكن الوحيدة، وما زاد الإهانة إلى الجرح هو عدم متابعة الدولة الليبية للقضية وتفقّد أحوال المتضررين باعتبارهم مواطنين لها وعضو في جسد الوطن، وليس مجرد جماعة مستضعفة يمكن التغاضي عن تميزها وحقوقها، تقع مسؤولية أمنها والحفاظ على مصالحها ورعاية حقوقها على عاتقها، شأنها شأن أي فئة أخرى من مكونات الشعب الليبي، وإجراء تحقيقات قضائية محايدة وشفافة لمعاقبة الجناة وجبر كسر الضحايا، وإحقاق الحق ولكي تأخذ العدالة مجراها، فتطيّب خواطر المظلومين وتُنزع هذه القضية من أيدي المتربصين بالوطن فلا يمكنهم استعمالها كسلاح في مؤامراتهم عليه

 

وذلك ما حدث بالفعل ورأيته بأم عيني عندما انفجر ذلك المسؤول الأمريكي غضبا أظهر حقده واحتقاره للشعب الليبي ورغبته في الانتقام منه كمن يصفّي ثارات قديمة!!!

 

عودة لأعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright 1999 LCU. All rights reserved.
Revised: September 07, 2021