Libyan Constitutional Union

 

 

http://www.libyanconstitutionalunion.net  

&

http://www.lcu-libya.co.uk

 

 

 

بنغازي وعبث الكوازي : الحلقة 28 ، الجزء الثاني

 

بقلم فتح الله عمران ابزيو

 

 الكلمة - العدد رقم 144 -  الأحد 09 فبراير 2014

 

 

 

رَكـِبَ الملازم القذافي (رأسه بالمقلوب)، وبدأ بتنفيذ قراره، وتجنيد طالبات جامعة بنغازي عنوة. كان هذا القرار سابقة لم يقدم عليها أيّ حاكم، لليبيا عبر تاريخها الطويل، فكانت النتيجة الطبيعيّة، لإستخفافه وتحديه الصارخ لأعـْراف وتقاليد الشعب الليبي مخيّبة لـَما يشتهيه الملازم، ففي فجر يوم 8 سبتمبر74 م بدد سكون بنغازي رصاصتين من بندقيّة (مَقـْرون). مزقت تلك الطلقتين رتابة المدينة، واحد الحراس المدججين بالسلاح الذين كانوا على مدخل بيت الطالبات، في عمارة مفراكس، بشارع الإستقلال والذى كان مقرا لِمَـبـِيت الطالبات المُجبرات على التدريب العسكري!

أيقن اللص الإنقلابي أنّ الرصاصات التى أدت الى وفاة الجندي الذي كان يحرس بيت الطالبات لم تكن موجهة، لهذا الجندي، بقدر ما كانت موجهة، إليه شخصيـًا رافضة، لحكمه وتطلعاته المريبة، وعلى الفور أصدر الملازم الشاذ تعليماته الصارمة، بضرورة القبض على من تجرّأ وتمردعلى رفض قراراته المقيتة التى يريد منها (نعي شرف رجالنا وعفة بناتنا) ومعاقبة من قاوم بالبارود مخططاته الدنيئة.

تحركت الدوريّات والتحرّيات، والشرطة العسكريّة، وبقيّة شـُعـَب الإستخبارات، بالبحث عن من أطـْلـِق الرصاص، وقبل الصباح تم إلقاء القبض على الشاب محمد عبدو بن غلبون أحد أبناء مدينة بنغازي المتمردة الرافضة المشاكسة، بسليقتها للمتكبرين الأنذال.تم التحفظ عليه في سجن الكويفية، كمتهم مشتبه فيه، وقد وُجّـِهت اليه تهمة القتل المتعمد، لرفضه فكرة تجنيد بنات الوطن، ومحاولة إخراج احدى شقيقاته الطالبة، بكليّة الحقوق، في جامعة بنغازي، بقوة السلاح والتى كانت مقيمة في بيت الطالبات إستعدادا لإلتحاقها مع زميلاتها بقوة البطش والترهيب، لبدعة التجنيد الإجباري. طاف الشاب محمد بن غلبون بين جميع الأقبيّة المظلمة لإستخبارات، ومراكز التوقيف الليبيّة، في مدينة بنغازي، وتعرض لمختلف صنوف التعذيب الوحشي حتى أشرف على الهلاك، لكنه ظلّ متماسكا صامدا لم ينهار كما كانوا يتوقعون ويحلمون بأن يَجـُر معه العديد من الرجال. أرعب توقيت، وأسباب هذه الحادثة أركان السلطة الباغيّة، حيث كانت الأولى من نوعها التى يُتهم فيها مدني، وخشت الإجهزة الأمنيّة وقياداتها أن تكون لها توابع، و سُـنـّة جديدة لمقاومة إعتداءات القذافي على حُرمات المواطنين، وكانت الأجهزة الأمنيّة مقتنعة تماما، بأنّ هذ االعنف والجسارة الذى وقع، في قلب مدينة بنغازي لايمكن أنْ يكون عملا فرديـًا. مكث محمد بن غلبون فى سجون بنغازي خاضعا، لتحقيقات شاقة مرهقة قرابة عام أويزيد، بقليل، ثم أصدرت المحكمة قرارا، بإطلاق سراحه، لعدم توفر أدلة دامغة، لإدانته، وتم بالفعل إطلاق سراحه، لكن النيابة العامة لم تغلق ملف القضيّة نهائيـًا، وحولت القضيّة على المباحث العامة، وبقيّة الأجهزة الأمنيّة الى متابعته وعد أنفاسه.

محمد بن غلبــــون

ذكر لي الصديق المناضل المرحوم فتح الله انديشية إبن مدينة درنة قلعة المعرفة، والنضال التى رفضت حكم الطغاة مُبكرًا وتحديدا في شهر ديسمبرعام69 م، حيث اشتبكت مع جنوده المتمركزين في الحاميّة العسكريّة، وتم طرد تلك الكتيبة من المدينة، ومنذ ذلك التاريخ سجل الملازم مدينة درنه، في سجله الأسْود، وتعامل معها بقسوة، فما كان، لدرنة، والقرى المجاورة لها خيار سوى الرد عليه، بسخريّة وقسوة أشد ستلوح ملامحها فيما بعد. أيها الكرام قبل أنْ أحدثكم عن ما ذكره لي المناضل فتح الله انديشة عن القضيّة التى حدثت، في 8 سبتمبر عام74 م و تم بمقتضاها إعتقال محمد بن غلبون، وكانت في حينها حديث كـُلّ الناس وخاصة الرافضين منهم، لحكم الملازم الذي كشر عن انيابه وبدأت تتضح معالم الطريق لظلمه وجهله وتفرده بالحكم وإستحقاره للجميع. قبل أن أسرد ما رواه فتح الله انديشة عن قضية محمد بن غلبون. إسمحوا لي أنْ اُعَرّجَ، بحضراتكم على شخصيّة فتح الله انديشه الوطنيّة التى ربما لا يعرفها الشباب الذين ولدوا مابين أعوام 73م، و76م.

فتح الله انديشة طالبـًا نجيبًا متفوقـًا، في كلية الأداب قسم الفلسفة، وكان عضوا نشطـًا، في إتحاد الطلبة. تعرض للإعتقال بعد هزيمة حزيران عام67م في ((العهد الباهي))، ولم يدم إعتقاله سوى عدة اشهر، لرجاحة عقل، وحِكمة ملك البلاد السيد محمد ادريس السنوسي الذى كان الأب الحنون، للجميع والقائد المؤسس، لدولة الدستور، فقد أصدر الملك الصالح رضوان الله عليه عفوا عن فتح الله انديشة، والعديد ممن شملتهم تلك القضيّة وخاصة شباب الثانويّة الذين كان فتح الله إنديشة واحدا منهم. تـَمُر الأيام، والسنون، ويسطو "على بابا، وحراميـّته" على بنك ليبيا المركزي، والإذاعة، ومن خلف الميكرفون يعلن الملازم البيان رقم واحد، وآلت مـِلـْكِية ليبيا، وماعليها وما تحتها من خيرات إليْه بالكامل، كأنها إرْث ورثها عن أبـِيْه بالتبني بومنيار. فماذا حدث لفتح الله إنديشه وغيره بعد ذلك؟. بعد خطاب زوارة عام73 م تم إعتقال فتح الله إنديشة مع مئات الرجال من كل المناطق الليبية، بقيّ هناك عدة أشهر ثم اُطلق سراحه.

فتح الله إنديشة رجل فكر وحوار، فسلاحه، وأدوات معاركه ضد الفاشيّة كانت الحُجـّة، والقلم، لم يكن فتح الله عنيفـًا كان رقيقـًا مُرهف الحِسْ، ولم يكن يؤمن بالعنف أبدا. ذات يوم جاء الى حرم الجامعة الليبي ((الـْهُـفـْـكْ)) الرائد بشير الصغير هوادي، وكان يومها عضوا، بمجلس قيادة الثورة ووزيرا للتعليم لإلقاء محاضرة، لم تكن هذه المحاضرة بالمعنى الأكاديمي بل كانت (محاصرة) لأفكار، وتطلعات الطلبة. كان (الهـُفـْكْ)هوادي موتورا، وتصادمي مع طلبة الجامعة، وخلال هذا التصادم المُبيت من قبل هوادي الذى خرج، كعادته عن اللياقة والأدب وخاطب فتح الله إنديشة الذى كان يحاوره، بشموخ وغيرة على الوطن، غير أنّ هوادي لم يسطع عليه صبرا، وخرج هوادى، وتخلى هوادي عن أدب الحوار وقال: (بلغة شـْوَارْعِـيّة) مخاطبـًا فتح الله انديشة ((نحن اللي خليناكم رجاله)) بادره فتح الله انديشة على الفور قائلا: اسمع يا رائد بشير نحن رجال فى العهد السابق وسنبقى رجال فى عهدكم وسنكون رجال بعد عهدكم. تلعثم هوادى ثم ازبد بسىء القول وانصرف غاضبـًا، ومنذ ذلك اللقاء صُنـّف فتح الله إنديشة، في ملفات الأمن، والجوسسة كعدو، (لإنقلاب الفاتح) وصارو يتربصون به.

اُعتقل فتح الله انديشة في احداث 76 م وتعرض لأبشع صنوف القهر، والإذلال، وبما أنّ فتح الله انديشة ذو طبيعة رومانسيّة حالمة، وإنسانيّة مهذبة، فإنـّه لم يستطع تحمل قسوة القساة، فعانى من أمراض عدة كان أشدها فتكـًا به مرض نفسي جعله حاد المزاج، وسيطرت على شخصيته الوساوس، والظنون والرّهاب المَرضي. بقي على هذه الحالة داخل السجن دون أيّ علاج، ثم أطلق سراحة فيما سمي ((بأصبح الصبح))، فخرج من المعتقل مهزوما مكسور الكبرياء ويُعاني من اضطرابات نفسيّة، بعد إثنى عشر سنة ضاعت من شبابه، في سجون ومسالخ جماهيرية الرعب، وبعد خروجه من السجن بعدة سنوات مات المناضل فتح الله انديشه يشكو ربّ الناس من ظلم الناس.

بعد هذه السطور القليلة عن المناضل فتح الله إنديشه أعود بحضراتكم، لحديث فتح الله إنديشه عن حادثة إعتقال محمد بن غلبون عام74 م.

يومها قال لي فتح الله إنديشه: إنّ ما يحدث الآن في ليبيا من قبل الطغمة العسكريّة الحاكمة بقيادة القذافي ليس خطأ فكري يُـقـََوّمْ بالحوار، والفكر والقلم، فالخطأ القائم في ليبيا جُرم مرتكز على القوة والطغيان، وبالتالى فإنه خطأ مادي لايُـقـَوّمْ إلا، بالتصدي له بقوة السلاح، والعنف مهما كانت النتيجة، فإنْ إستمر سكوت الشعب على إنتهاك حُرماته ومقدراته، فإنّ القذافي سيتمادى، في شذوذه وطغيانه، ولن ينتبه له الجميع إلا بعد أن يستقوي على الجميع، وبالجميع، فالقذافي لا ضمير، ولا أخلاق له تردعه، وسيجر البلاد والعباد جَرًا الى حرائق، ودمار رهيب وسفك دماء غزيرة، ثم يضيف فتح الله إنْ ثبت أن محمد بن غلبون هو الذى أطلق الرصاص على بيت الطالبات الذى يريد القذافي أن يحوله إلى بيت للطاعة، و(.......)، وثكنة عسكريّة لبنات ليبيا، فغرضه من ذلك هو بعث رسالة واضحة الملامح للشعب الليبي مفادها أن بناتكم وأعراضكم هي الآن مِلـْك مشاع لي، ولـِمُريدِي، و لأوامرى، ومن يريد أنْ تثـْكله اُمه، فليتجرأ ويقول لا، ويضيف فتح الله كـُلّ ما أتمناه أنْ يكون محمد بن غلبون هو الذى أطلق النار على بيت الطالبات الخاضعات، للتدريب العسكري، ومحاولة إخراج شقيقته بالقوة، فلعل هذه الحادثة تكون بداية المقاومة ورفع هِمَم بقيّة الشعب، لرفض شطحات هذا الدكتاتور القزم الذى لم يعد يعر مشاعر وعادات شعبه أيّ إحترام. ها هُـو فتح الله إنديشة المثـقف المسالم الرومانسي الذى يكره العنف بطبعه، يتمنى من أعماقه أنْ يكون بن غلبون الفاعل الحقيقي، لحادثة إطلاق النار، ويضيف فتح الله قائلا إذا كان محمد بن غلبون هو الذي اطلق الرصاص، فإنـّه قد سَجـَلَ، في سِجـِل حركة النضال الليبي، أنه أول مواطن ليبي (مدني) منذ إنقلاب69م يطلق الرصاص الحي ضد سلطة القذافي رافضـًا، لِسلطة، وأوامر هذا الدكتاتور.

تابع فتح الله إنديشه بدقة تداعيات هذه الحادثة، بكل تفاصيلها عن طريق صهره المقدم أحمد فوزي هلال الذى كان يشغل منصب وكيل وزارة الداخليّة، في تلك الفترة، وقد قدم المقدم هلال إستقالته مُبكرا، لعدم رضاه عن الممارسات الشرسة التى تقوم بها الأجهزة الأمنيّة ضد المواطنين، وبما أنّ المقدم هلال كان يـَطـّلِعْ على بعض تقارير، ومجريات القضية، ولصلة قرابته وَثِـقـَتِه، بفتح الله إنديشه فقد روى لي فتح الله بعض حكايات تلك القضيّة نقلاعلى لسان المقدم الوطني أحمد فوزي هلال، ومن حكايات المقدم هلال عن هذه القضية.

"قال المقدم أحمد فوزي هلال، لفتح الله انديشه، لقد تعرض المتهم محمد بن غلبون أثناء التحقيقات المتواصلة ليلا ونهارا، للعذاب الشديد، وعلى الرغم مما لاقاه هذا الرجل من عذاب وتنكيل لم تـُسفر هذه التحقيقات الهمجيّة على تورطه، في القضيّة، ويضيف المقدم هلال قائلا: أمام اصرار محمد بن غلبون على موقفه الثابت لرفضه هذه التهمة التى كان يتابع مجريات تحقيقاتها العقيد القذافي شخصيـّـاوكبار قادة الإستخبارات، بكل فروعها، ورغم كل التجاوزات البدنيّة التى لحقت به، لم يُوّرط أحدا من اصدقائه أبناء مدينته كما كانت ترغب سلطة الإنقلاب بالزّج بأكبر عدد من أبناء بنغازي، لمعاقبة أبنائها، والتنكيل بهم، للإنتقام من هذه المدينة العصيّة المزعجة. جُنّ جنون القذافي الذى كان يريد إعترافات بن غلبون صوتـًا وصورة، أثناء مُداولات القضيّة داخل المحكمة. فأمر بجلب خبراء من دول المعسكر الشرقي وبعض الدول العربيّة المتخصصة بإمتياز في مثل هذه القضايا، ويضيف المقدم هلال، لقد أجمعت كل تقارير الخبراء بعد أنْ إطلعت على التقارير الليبيّة وما تعرض له المتهم أثناء التحقيقات من عنف مفرط، على إفتراضين. الإفتراض الأول إما أنْ يكون محمد بن غلبون لا علاقة له بهذه الحادثة لامن قريب ولا من بعيد، والإفتراض الثاني يقول هناك بعض الأشخاص حسب التجارب التى درسناها، لاتنهار تحت أشد أنواع العذاب ولا تفقد قدرتها على التفكير، في احْلك الظروف، وهي على استعداد، لأن تموت من أجل ما تؤمن به، وما تخطط له فى المستقل، وقد يكون صاحب هذه القضية من نوعيّة هذا البشر.

إنتهج القذافي خلال السنوات الأولى من حكمه البغيض سياسة المخادعة، واللعب على جميع الحبال وكان يُطبق سياسة المثل الشعبي ((ياكل ويْـقـَيـّسْ))، فبعد تلك الحادثة التى وقعت عام74 م توقف مؤقتـًا عن برنامج تجنيد البنات الذى كان يشرف على إعداده شخصيـًا، لتفكيك البُنـْية الإجتماعيّة الليبيّة لإهانتها في شرفها وعزّتـِها، ولأنّ القذافي كما تعلمون يحمل في داخله عقدة نـَسـَبـِه التى جعلت منه تارة ينتسب الى الإمام الكاظم ومرة ينسب نفسه لقبائل الساقية الحمراء ذات الجذور العربية، وتارة ينسب لقبائل ((العنزة)) العربية في الجزيرة العربية وخاصة فرع قبيلة العنزة في دولة الكويت، ولعلكم سمعتم أيها السادة ماصرح به الشاب محمد سيد قذاف الدم على استحياء عن علاقة آل قذاف الدم، بالمدعو معمر القذافي، فقد قال الشاب محمد بن سيد قذاف الدم إنّ معمر القذافي ليس من أبناء عمومتنا!!، ومن هذا الواقع المرير الذى سيطر على شخصيّة القذافي أراد أنْ يشيع الفاحشة، فى المجتمع الليبي حتى لايكون الشخص الوحيد المجهول النسب. كان، لمعاناة القذافي من هذه العُقدة بالغ الأثر على كل تصرفاته عبر مسيرته العرجاء تجاه الشعب الليبي، فنكل بالجميع وتجاوز كل المحرمات، والنواميس المتعارف عليها دون خجل، أوْ وَجَـل!.

عام 80 م \81 م، وبعد توقف دام قرابة ست سنوات بعد حادثة بيت الطالبات، في بنغازي راود القذافي حنينه، ليروي ظمأه، بإذلال شعبه، فأصدر " فرمان " من داخل خيمته المزركشة، من " الباب العالي" في معقله باب العزيزية، وكان نـَصّ هذا " الفرمان " إنشاء الكليّة العسكريّة، للطالبات الحاصلات على الشهادة الثانويّة، وحاول فرض هذا القانون، بتجريم أولياء اُمور الطالبات في حالة رفضهم، لهذا القرار، ومارس الترغيب، والترهيب، وشجع الطالبات على عدم طاعة أولياء أمورهنّ، فأيّ مصلحة يجنيها الوطن، من هذه الرذيلة المـُقــَنـّعـَة بحق الله يا عباد الله؟ أفِـيْـدُوني أفادكم الله.

إنـْزلق العديد من بناتنا، في قاع هذا البئر السحيق المظلم، وفي نفس الوقت إمتنعت الكثير من الاُسر عن الإذعان، لهذا القرار، وأوقفوا بناتهم عن الدراسة، وبعد سنوات قليلة أصبحنا نسمع ونشاهد العميد فلانة، والرائد ركن فلانة، والعقيد فلانة.

إستغول القذافي، وفلت عِياره الطائش وصار يُحَـرّض جهارا نهارا على قتل كل من يخالفه داخل الوطن وخارجه، وقادته نذالته الثوريّة الى محاولة تسميم أطفال المواطن فرج إكسودة، بمدينة بورسموث، وشـَكـَل مفارز إنتحارية من قتلة وأصحاب سوابق إجراميّة، وكان يتباهى بمشروعه الدموي الذى أطلق عليه دون حياء ((التصفيّة الجسديّة)).

إستطاعت كلاب الدم بـتعليمات مُباشرة من " شـَرّاب الدم" أن تسفك الكثير من دماء المناضلين الشرفاء، في معظم عواصم العالم، وقد دفن كل الشهداء الذين قتلوا خارج الوطن، في المنافي، ولم يجد أحدا منهم قبرا يواري جسده الطاهر، في أرض أجداده!!.

يوم صلاة الجنازة على الشهيد محمد مصطفى رمضان، الذى قتل خارج مسجد ريجنت بارك بقلب لندن وبعد اداء صلاتي الجمعة، والجنازة أمام جموع المصليين يوم 11 أبريل1980 م وبعد الصلاة على جثمان الشهيد محمد مصطفى رمضان يوم 18 أبريل 1980 م أذكر يومها اننى كنت برفقة السيد محمد عمر البكوش والأستاذ حسن بن دردف والأستاذ صلاح السويحلي للمشاركة في تشييع جثمان الشهيد.

كان المسجد غاصًا باللجان الثوريّة، وقد حاولوا منع إمام المسجد من إقامة الصلاة، لكن جموع المصليين من العرب، وبقية المسلمين الذين فرضوا بالقوة إقامة الصلاة على الشهيد، وتدخل البوليس البريطاني، وفض "العِراك"، واقيمت صلاة الجنازة، وعند خروجنا من المسجد تناهت إلى مسامعنا عبر وسائل الإعلام إغتيال مواطن ليبي اخر هو الشهيد محمود نافع.

تم نقل جثمان الشهيد محمد مصطفى رمضان الى مطار هيثرو بلندن لنقله الى طرابلس لدفنه هناك، وبعد وصول جثمانه رفض "شراب الدم" دفنه فى طرابلس، وعاد جثمان الشهيد محمد مصطفى رمضان ودفن فى مدينة لندن، وخرجت علينا صحيفة الزحف الأخضر بإفتتاحية بالخط الأخضرالعريض تقول إن ارض المجاهدين ترفض أنْ تدفن فيها الجيف النتنة، والكلاب الضالة!! كـُل أملي أن لايكون كاتب هذه الإفتتاحية الأستاذ عبدالرحمن شلقم الذى كان قريبا جدا من الإعلام، وبعيدا عن قرارات الإعدام حسب مايقول مُحبيه. هذه الأيام يدور الحديث عن شروط المصالحة التى يشترطها الهاربون المنهزمون القتلة، واللصوص، بزعامة المجرم اللص عجوز المواخيرالمتصابي أحمد قذاف الدم الذى يطالب بالكشف عن مكان دفن الطاغيّة وإقامة جنازة لسيده الذى نبش قبور ابنائنا، وأبائنا ومشائخنا وهتك اعراضنا وقتل الألاف من خيرة أبنائنا، وبناتنا خلال مسيرته الدموية اللعينة.

أعود بحضراتكم الى صاحب قضيّة بيت الطالبات المجندات المتهم محمد عبدو بن غلبون، ففي عام 78 م ضاقت عليه الأرض بما رحبت نتيجة الإضطهاد الممنهج الذى يتعرض له الوطن، ومواطنوه ومع أنـّه قد صدر بحقه قرار من المحكمة، بإخلاء سبيله نهائيـًا، لعدم توفر ادلة إدانة تـُدينه، وأصبح من الناحيّة القانونيّة بريئـا، إلا أنـّه عاف حياة الذل، والمهانة، وَعد خطواته وأنفاسه، في بلاده، فقد بسطت أيادي الإجرام سيطرتها على البلاد، والعباد، وأصبح الشعب بكاملة متهما لدى سيادة الملازم.

غادر محمد بن غلبون ليبيا أواخر عام78 م الى بريطانيا، وكان العمل الوطني، في المهجر يتحسس خطاه، بإتجاه تكوين الفصائل، والتنظيمات التى شكلت لاحقـًا، للمعارضة الليبيّة، في المهجر، في تلك الفترة إلتقيت بالسيد محمد بن غلبون بلندن في شقة يقيم فيها الصديق العزيز السيد محمد عمر البكوش الذى كان برفقة طفله المريض آنذاك جلال بمنطقة اكوينز وي، وبقي محمد بن غلبون، في ضيافة صديقه القديم محمد البكوش قرابة ثلاثة أيام. كان محور احاديث محمد بن غلبون يدور حول مأساة ومعانات الوطن، وكيف السبيل، لردّ الضيم، والعار المعيب الذى جلبه الملازم لوطننا؟.

رغم ساعات الحوار الطويلة التى كانت تدور تلك الأيام، في شقة السيد محمد عمر البكوش لم يتطرق محمد بن غلبون، لقضيّة بيت الطالبات، وكان حديثه منكبـًا حول إمكانيّة التصدي لهذا الحاكم الفاجر المستبد، بكل السبل، وحين أخبره محمد البكوش بأننى على صلة وثيقة، بالدكتور عبدالرحمن السويحلي، والأستاذ صلاح السويحلي وأتعاون معهم في مجلة صوت ليبيا المعارضة. كان محمد بن غلبون يصغي، بإهتمام لحديث محمد البكوش عن علاقتي بالدكتور عبدالرحمن والأستاذ صلاح السويحلي، ومجلة صوت ليبيا المعارضة، فاستشفيت من اهتمامه بأنه يرغب فى العمل المعارض لكننا لم نفاتح بعضنا في ذلك اليوم، وقبل أن يغادرنا الى مقر إقامته في مانشيستر تبادلنا أرقام هواتـفنا، وعناويننا، ومن حينها إستمرت بينناعلاقة اُخوة ومودة، وإحترام، ليومنا هذا أدامها الله ....

يتبع

 

بنغازي وعبث الكوازي : الحلقة 28 ، الجزء الثالث

 

بقلم فتح الله عمران ابزيو

 

 الكلمة - العدد رقم 145 -  الأحد 16 فبراير 2014

 

 

 

في خضم سرد هذه الخواطرالمتناثرة أريد أن أتحدث عن حوار هاتفي دار بيني وبين الأديب الراحل خليفة الفاخري عندما كان يعمل مستشارا ثقافيا بالسفارة الليبية، بكوبنهاجن، وليعلم القارىء الكريم انني دائما في خواطري المتواضعة أحاول جاهدا أن لا أكتب عن ما دارمن حكايات بيني وبين الكثير من الأصدقاء الذين انتقولوا الى رحمة الله إلا وأستشهد، بشهود أحياء لإعطاء الموضوع مصداقيّة ويستطيع أيّ أحد من الأحياء أطال الله فى اعمارهم أن ينفي ماذكرته أو يُكذبه، لأنني اُؤمن جازمـًا بأنّ الكلمة الصادقة ظِلّ يستـظل بها الصادقون، في مواسم إزدحام نفاق الكلمات المـُحَنـّطة التى تملأ أركان هذا العالم الموبوء نفاقـًا، وجورا، وإبتذالا، وهنا اُشهد الله الذى مُـلاقِيْه لامحالة ذات يوم عن ما دار بيني وبين الراحل العزيز خليفة الفاخرى، في تلك المكالمة.

من حين لآخر كنت أبعث للأستاذ خليفة منشورات ومطبوعات المعارضة الليبيّة الصادرة في لندن الى منزله في كوبنهاجن، وكان متابعـًا لها بدقة، ويُـبـْدي بعض الملاحظات وكنت أنقل ملاحظاته، لأصحاب الشأن دون أن أذكر إسمه خوفـًا عليه من أن يتسرب إسمه ويتعرض لمكروه، ففي إحدى الإتصالات الهاتفية أراد أنْ يُعْـلِمني بوجود صديقه محمد بن غلبون، في مدينة مانشيستر واستقراره هناك، فأخبرته بأنني أعْـلم ذلك، وقد إلتقيته في لندن، فأشار إليّ بأنْ أجمع محمد بن غلبون بصديقنا المشترك الأستاذ الراحل محمد حسين القزيري، فسألته متعمدا، لماذا يا " جنقي "؟ و" جنقي " لقب للأستاذ خليفة الفاخري يعرفه كل أبناء جيله، والكثير من أبناء مدينة بنغازي وقد سبق لي أنْ عَرّفـْت لقب " جنقي " في احدى المقالات السابقة، في سنوات مضت.

أثـْنـَى الأستاذ خليفة الفاخري كثيرا على محمد بن غلبون وطلب مني، ومن الأستاذ الراحل محمد حسين القزيري التعاون، وتقديم الدعم اللازم لكل ماله علاقة بالعمل الوطني، وأضاف الأستاذ خليفة الفاخري قائلا إنّ محمد بن غلبون شهم ثم أضاف بلغة" إعيال البلاد " (راهو ذكـر))، وهذا بحكم علاقتي الوطيدة به ومعرفتى له عن كثب، وبالفعل لم تخب فراسة الأستاذ خليفة الفاخري في صديقه، فقد أعلن عام1981 م عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي بشعاراته الوطنيّة الثلاثة علم الإستقلال، ودستور الإستقلال، وباني دولة الإستقلال سيدي محمد ادريس السنوسي رضوان الله عليه.

عودا على بدء، ففي شهر فبرايرمن هذا العام تلقيت دعوة عشاء من العزيز هشام بن غلبون، في بيت شقيقه الشيخ محمد بن غلبون، بمدينة مانشيستر وحدد لي تاريخ " العزومة " فقبلت الدعوة شاكرا، لكن يوم "العزومة" كنت ((خارج نطاق التغطيّة على طريقة شركتي المدار، وليبيانا))، فقد منعتني ظروفا قاهرة عن تلبية تلك الدعوة، وقبل منتصف تلك الليلة بدأت العديد من المكالمات الهاتفية تنهال عليّ من الأصدقاء أبناء الجاليّة الليبيّة، في بريطانيا ممن حضروا تلك " العزومة " وكانت جميع تلك المكالمات متطابقة، في نقل وقائع تلك" العزومة "ومن بين تلك المكالمات أسرد ما رواه لي الحاج أحمد علي ابزيو الذى كان أحد المدعويين والذى تربطه علاقة إحترام، وتقديرمتبادل مع الشيخ محمد بن غلبون، قال: الحاج أحمد علي ابزيو.

جمعت " مربوعة " الشيخ محمد بن غلبون قرابة الثلاثين رَجُلا، وكـُنـّا جميعـًا لا نعرف مناسبة هذه "العزومة" إلى أنْ وقف الشيخ محمد قبل تناول الطعام وقال: هذه"العزومة" على شرف الأستاذ سمير يونس بن على الدرسي، الذى حمّلته هذه المهمة صعبة التي لايقوى عليها إلا الرّجال من أهل التقوى، والعزائم، وقد كان بفضل الله أهلا لهذه المهمة العسيرة التى يسّرها الله له، وللخيّرين الآخرين الذين وقفوا معه، لإتمامها على أكمل وجه، وأضاف الشيخ بن غلبون مخاطبـًا ضيوفه أود هذه الليلة أنْ أبـُوْح لحضراتكم بشئ حدث عام 74 م لم يسمعه مني احد طوال هذه السنين سوى شقيقي هشام.

إنّ الرصاصات التى اُطلقت على بيت طالبات الجامعة الليبية في بنغازي، بشارع الإستقلال فجر يوم 8 سبتمبر عام 74 م والتى أدت الى موت الجندي المرحوم محمد حسين عبدالباقي الدرسي كنت أنا من قام بإطلاقها، لمحاولة إنتزاع شقيقتي التى شملها قانون التجنيد الإجباري الذى فرضه القذافي متحديـًا لأعرافنا، وتاريخنا ومشاعرنا، ورجولتنا، لقد طرقت باب بيت الطالبات، ففتح لي الباب أحد الجنود الشباب المسلحين بداخل العمارة، فقلت له أنا محمد بن غلبون، وإنّ شقيقتي محتجزة في هذا المكان، وجئت لهذه العمارة لإخراجها والعودة بها إلى بيت أهلها، وتسريح جميع البنات المحتجزات داخل هذه العمارة، لـِيَعدن إلى بيوتهن. سخرمِني اُولئك الجند الشباب، وأوصدوا الباب الزجاجي، في وجهي. حينها هرعت الى سيارتي، وقد أظلمت الدنيا، في وجهي، وانتابني غضب جامح، وفتحت مؤخرة سيارتي حيث احتفظ ببندقية صيد (مقرون) وعدت الى العمارة وأفرغت عيارات البندقيّة صوب الباب، واستقـليت سيارتي، وعدت إلى بيتنا تسبب إطلاق هذين العيارين في قتل المرحوم محمد حسين عبدالباقي الدرسي، لم تكن بيني وبين الجندي القتيل أيّ عداوة أو خلاف ولم أره في حياتي، وتلك الرصاصات التى اطلقتها قد تقتل أيّ جندي اخر يقوم بحراسة ذلك المكان لم أكن اقصد المرحوم محمد حسين الدرسي، بالذات. كان الغرض من إطلاق النار إخلاء سبيل شقيقتى وبقية البنات المُجندات، وصرخة رفض، وإحتجاج على القرارات الجائرة التعسفية المستهترة التى يمارسها القذافي ضد أبناء، وبنات شعبه، وأضاف الحاج احمد ابزيو، لقد واصل الشيخ بن غلبون حديثه قائلا، لقد إحتفظت بهذه الحادثة سنوات عديدة، وكنت على إستعداد، لفتح هذه القضيّة مع عائلة المرحوم، وأنـّه لم يمنعني من الإتصال بآل المرحوم حتى وقتنا هذا وتقديم الإعتذار اللازم ودفع ديّة القتل غير المتعمد المتعارف عليها، في مجتمعنا إلا يقيني من أن نظام الملازم المعتوه وأجهزته الأمنيّة سيستعملون هذه القضيّة لملاحقتي عن طريق الشرطة الدوليّة، بتهمة الإرهاب والهروب، وهذه الأساليب الخسيسة كان يتفنن فيها ذلك النظام العفن لتشويه كل من يعارضه، ويتصدى له، والشواهد على ذلك كثيرة، وما أن قامت ثورة فبراير المجيدة وزال العائق الذى كان سدا دون ذلك حتى صارت قضيّة الإتصال بعائلة المرحوم محمد حسين الدرسي أهم أولويّاتى، لأداء حقوق الله وجبر الضرر الذى لحقّ، بعائلة المرحوم محمد حسين عبدالباقي الدرسي، وبتوفيق من الله إهتديت الى السيد سميريونس بن علي أحد أبناء قبيلة الدرسة الكرام، وعرضت عليه القضيّة، بكل تفاصيلها الدقيقة، والتى طال أمدها وحان وقت التعامل معها بما يرضي الله وأهل المرحوم، وطلبت منه أن يقوم بدور المصالحة بيني، وبين عائلة المرحوم إن إستطاع الي ذلك سبيلا. إستمع السيد سمير بن علي جيدا، ووافق على الفور دون تردد، وقال إنـّه يسعدني، أن ابذل كـُل ما بـِوسعي من أجل إتمام هذا الصلح الذى أعتبره، في هذا الوقت العصيب يخدم مصلحة بلادنا.

إتصلت من لندن بالخال العزيز سميربن علي، في مدينة مانشيستر هاتفيـًا بعد سماعي، لهذه الحكايّة من عدة مصادر، وسألته عن دوره في هذا الصلح النبيل، فأجابني بأدبه الجم قائلا:

بذلت ما وفقني الله له، فعندما وصلت بنغازي إتصلت على الفور بعمي عيسى بن علي وفاتحته بسبب زيارتي، فرحب بذلك، وأشار إلي بالإستعانة بمشورة وعون إبن عمنا السيد محمد معيوف الدرسي فسافرنا الى بمدينة البيضاء مقر سكناه، ومن هناك ذهب ثلاثتنا الى السيد فرج حسين عبدالباقي الشقيق الأكبر للمرحوم، في منطقة الوسيطة وكان ذلك يوم الخميس 29 ديسمبر الماضي، ومن حسن الطالع وعناية الله أنّ بداية الصلح كانت مع ذلك الرجل الحكيم، والذى كان من أولياء الدم، لمحاولة إتمام هذا الصلح، لحسن تدبيره، وسداد رأيه، وأضاف السيد سميربن علي قائلا لي خلال هذه المكالمة. كانت المهمة صعبة، وماكانت تصل لنهايتها الحميدة لولا تدخل أهل الحكمة والمروءة من أمثال الشيخ عبدالكريم عبدالغني الخزعلي أحد الكرام من أبناء قبيلة البراعصة، فالشيخ عبدالكريم الخزعلي مشهود له بحكمته وحسن تدبيره، وحبه لفعل الخير والإصلاح بين الناس، ويضيف سمير بن علي قائلا: تأزمت المفاوضات، وأوشكت على الفشل،

فأقترح علىّ إبن عمّي المحامي اشرف رمضان بن علي الإستعانة بالشيخ عبدالكريم الخزعلي للِما له من ِباعه طويل، في حَلّ مثل هذه المشاكل الكبيرة، وما أن طرقنا بابه وفاتحنا الشيخ عبدالكريم الخزعلي، بملف، وخلفيات هذه القضيّة الكبيرة، والقديمة، بكل وقائعها، وما أنْ أيقن الشيخ عبدالكريم الخزعلي أنني مُكـلـّف من قبل الشيخ محمد بن غلبون، لقفل هذا الملف، بالطرق الشرعيّة، والأعراف السائدة، إبتغاء مرضاة الله، وإرضاء عائلة المرحوم.

بادرالشيخ عبدالكريم الخزعلي، بالقول انّ ((الرّاجل اللي صبّا، لسيدي ادريس في غربته، وزوجته الملكة فاطكة رحمهما الله منذ عام1981 م من حقه علينا "انصبو"معاه وماتنكتبش علينا أنه ماعندش حَدْ هنا فى البيضاء، ولذا اُعلن من هذه الساعة أنّ الشيخ محمد بن غلبون برعصي، وانه " خُوْيا "، ومن أجل الخير، والوئام فأنا من سيمثله، في مجلس الصلح مع إخوتنا الكرام أبناء قبيلة الدرسة)).

ساهم، في هذاالصلح ثلة من وجهاء وشيوخ قبائل مدينة البيضاء من أمثال الشيخ حمد اسويري الدرسي والسيد بن علي سيف النصرالبرعصي.

سَخّرالشيخ عبدالكريم الخزعلي مكانته الإجتماعيّة، من أجل القيام بهذا الصلح، وإتمامه وفقا للأعراف والتقاليد المتعارف عليها، والمتبعة في مثل هذه الظروف مستعينا، بنخبة من الخيّرين أهل المروءة والشهامة من أبناء المنطقة، لِكي يُرضي جميع الأطراف، ويُطيّب النفوس، ويهدئ الخواطر، ويُفوت الفرص على من يسعون لبث الفتنة والفرقة والشقاق من " عوالة الشر "فأستطاع، بحنكته وصفاء سريرته أن يتوصل الى توقيع سند صلح مع عائلة المرحوم بتاريخ 9 ربيع اول 1433 هجري الموافق1 فبراير2012 م، وقد وقـّع ثمانية عشر رجلا من قبيلة الدرسة من بينهم إخوة المرحوم الأربع، وأربعة، وعشرون رجلا من قبيلة البراعصة من بينهم الشيخ عبدالكريم، وإبنه عبد الغني الخزعلي، وكذلك الشيخ بن علي سيف النصر، والشيخ جاد الله صالح، وبعد الصلح ودفع الديّة وتوقيع سند الصلح، وتسجيله في المجلس المحلي، ومحكمة البيضاء، بجهود الأستاذ أشرف رمضان بن علي. تحدث السيد فرج حسين عبدالباقي، شقيق المرحوم محمد، وقال للسيد سمير بن علي" قول لِـ بن غلبون الله يسامحك دنيا، وآخرة ".

لو بحثنا، وأمْعنّـا في ما حدث بعد إنقلاب سبتمبر69 م منْ ويلات وخراب وسجون وقتل وإغتصاب وإعتداءت صارخة لحقت، بالإنسان الليبي حتى يومنا هذا، فإنّ أصابع الإتهام تتجه مباشرة، بالدليل القاطع الى الملازم المعتوه، فالملازم الشـّاذ تماهى مع فرعون.

نعود بحضراتك الى الملازم ثاني صباح التى اُسرت فى اتشاد وزميلاتها اللائي تم سبيهن وبيعهن في اسواق الرقيق. كانت تلك بدايّـة تكسير(إخشوم الرجال)، وإذلال (الشنابات الكبيرة) التى وقف عليها الصقرالوحيد، وبقيّة البوم وخفافيش الفاحشة!!.

إستطاع الملازم الحقود أن يُدخل، للقوات المسلحة عشرات الالاف من بناتنا (غصبًـا عن إرا دتنا) لم نحتج، ولم ندافع عن شرفنا، ولم نقاوم، فأطعناه وأستخف بنا أكثر.

بعد أن حقق الملازم اللعين مبتغاه إبتكر بدعة جديدة لم يسبقه احدا اليها، فصار يذهب الى الأعراس النسائيّة، بدون دعوة، وقبل وصوله الى بيت العرس تسبقه لجانه الثوريّة، و(قواداته من الراهبات)، وبالأوامرالصارمة يطلب من الرجال أهل الفرح مغادرة بيوتهم، ويسير بيت العرس، للنساء، والقائد فقط، وما أن يُـطـْرد أصحاب البيت، والفرح. يأتي الملازم الشّّاذ لبيت العرس وسط الزغاريد، والهتافات الثوريّة، والبخور ثم ((يتصندر)) الملازم العفن، بجوار العروس مُسلطا عيونه الشبقة نحو النساء، حالما ((بحصاد آخر الليل)) فسيئة الحظ من أعطاها الله مسحة جمال، وقبل أن يغادر المكان يمسح بيده النجسة رأس من هَـمّ بها، فتستكمل (القوادات الراهبات) بقيّة المهمة القذرة ترغيبـًا أوْ ترهيبـًا، وأثناء خروجه وسط رديح الراهبات تختتم مراسيم زيارة العهر، للعاهر الملازم بإهزوجة إزدراء، لكل رجال ليبيا مطلعها.

سـَلمْ رَاجْـلـكْ يا صفيّـه.. خَلـّى الرّاجِلْ كَيْ الـْولـيّه

حدث كل ذلك في كثير من المدن الليبيّة، نعم للمرة الألف، لقد إستخفنا جميعـًا، فأطعناه: ورحم الله من قال: كُـلنا يُولد بكرامته لكن القليل منـّا يموت بها.

تناقلت وكالات الأنباء إشاعة خبر عن وفاة المخلوع فرعون مصر حسني مبارك، فلا شماتة في الموت وليس عندى ما أقوله سوى البقاء لله والمجلس العسكري المصرى ومجلسنا الإنتقالي.

أيها الأحبة معذرة، للإطالة.. إذا كان في العمر بقيّة، فللحديث بقيّة

فتح الله ابزيو

 

 

بين الشأن العام والخاص شعرة

د.محمد علي احداش

(صحيفة الكلمة : العدد رقم 42 : الصادر بتاريخ 26 فبراير 2012)

(وكذلك على صفحته على الفيس بوك 13 فبراير 2012)

http://www.facebook.com/#!/profile.php?id=100002725029356&sk=wall

 

حضرت إلى عشاء بمنزل آل بن غلبون في مانشستر دعاني إليه هشام بن غلبون في يوم الأربعاء ، ولم يخبرني بسبب الدعوة ولكنه قال هو لحضور أمر عام وخاص، وسيحضر عدد من الأخوة المأدبة ولم يعط أية معلومات أخرى وأكد الشيخ محمد في مكالمة على حضوري ، فنزلت عند أخي الدكتور محمد العماري وتوجهنا مع الأستاذ ناصر الشكري والسيد أيوب المغربي لمنزلهم ولا أحد يعلم بما سيكون من الأمر، بعد الترحاب والحفاوة أخذنا مجالسنا وتبادلنا أطراف الحديث حتى اكتمل عدد المدعوين ، ثم وقف الشيخ محمد بن غلبون يسرد قصة يرجع تاريخها الى عام 1974م قال فيها :

 في سنة 1974 حاول القذافي المجرم ممارسة نوع جديد من سياسات الاضطهاد والإذلال (تكسير الخشوم) عندما شرع في تطبيق التجنيد الاجباري للبنات، وهو أمر غير مسبوق في البلاد وغير مقبول ... فجمعوا طالبات الجامعة وأسكنوهن في عمارة بشارع جمال عبدالناصر ليذهبن إلى معسكرات التدريب نهارا ويقضين الليل في تلك العمارة. وكانت من بين تلك الطالبات شقيقتي التي كانت تدرس في كلية الحقوق.

وعند عودتي من السفر وسؤالي عن سبب غياب شقيقتي أعلمت بهذا التطور في المجتمع ، لكنه للأسف لم يقف الناس ضد هذا الإجراء الظالم المذل وسكتوا عنه خوفاً، فلم أستسغه ولم أقبله ،وكان بحوزتي بندقية صيد (خرطوش) وضعتها في مؤخرة السيارة وتوجهت إلى بيت الطالبات، وطرقت الباب وقدمت نفسي وطلبت مقابلة شقيقتي واخلاء سبيلها مع بقية البنات ليعدن الى بيوت اهاليهن لم يرق ذلك للجنود الذين كانوا مكلفين بحراسة المبنى وكانوا جميعهم شبابا صغار في السن ويحملون السلاح فأوصدوا االبوابة في وجهي وعدت الى سيارتي وأنا في حالة غضب شديدة وأخرجت السلاح الوحيد الذي أقتنيه ولوكنت أملك دبابة وقتها لاستخدمتها ،وأطلقت النار على مدخل العمارة، ولم أوجه السلاح لشخص بعينه وركبت سيارتي وعدت إلى بيتي وأنا في تلك الحالة، بعدها بعدة ساعات ألقي عليّ القبض من قبل النيابة العامة وحينها فقط علمت أن اطلاق النار أسفر عن مقتل أحد الجنود وجرح آخرين.

في ذلك الوقت وبتأثير من نظام وعهد المملكة كان القضاء والنيابة مازال مستقلا ويتمتع بنزاهته ولم يعتريه الفساد الذي طال كافة أجهزة الدولة كما هو الحال فيما بعد ، ولذلك كان القبض في أول مرة في إطار القانون والإجراءات الجنائية المعمول بها وبعد عدة أشهر من التوقيف ثم الحبس في سجن الكويفية بأمر من النيابة تم خلالها التحقيق معي وأخلي سبيلي لعدم توفر الأدلة الكافية لإقامة الدعوى وقيدت القضية ضد مجهول ، ذلك أنني أنكرت قيامي بذلك العمل فنيتي كانت الاستمرار في رفع السلاح ضد ذلك النظام الغاشم في كل فرصة وبكل كيفية ممكنة ، وإن كان حزّ في نفسي مقتل الجندي الشاب الضحية (المرحوم محمد حسين عبدالباقي) والذي ينتمي إلى بيت عبد الباقي من قبيلة الدرسة.

 

رغم أن المسألة ليست شخصية حيث لا عداوة ولا خصومة بين القتيل والشيخ، إلا أن تغلغل العقلية القبلية التي هزت أركان الدولة من قبل في حادثة إخراج ضابط بالقوة من المحكمة ومقتل شاهد فيها ،جعل التحقيق وسير أحداثها ينحو منحىً قبلياً، فقد اتضح أن عدداً كبيراً من أبناء عمومة القتيل متنفذون في الأجهزة الأمنية للنظام في ذلك الوقت وخاصة في وزارة الداخلية.

 ولذلك فما إن أخلت النيابة العامة سبيلي حتى ألقت القبض علي خارج نطاق القانون لجنة تحقيق من العاملين في وزارة الداخلية وأودعتني زنزانة في معسكر امداد الشرطة بدون علم النيابة أو علم أهلي وبدأوا معي في مسلسل التعذيب حتى تدخلت النيابة العامة بعد جهد جهيد من أهلي لمعرفة مكان احتجازي وابلغوا النيابة بذلك فطالبت النيابة باستلامي فورا فسلموني إليها مع جملة من الاعترافات ممهورة بتوقيعاتي تم عرضي فورا على الطبيب الشرعي الذي قدم تقريرا قررت النيابة العامة بموجبه بطلان جميع الاعترافات وتم اخلاء سبيلي مجددا بعد أن فسرت لقاضي التحقيق أن ما جاء في أقوالي التي كانت مطابقة لملف تحقيق النيابة بأنني قد حصلت على نسخة من الملف كما كان يجيز لي القانون ويمكن طلبه في ذلك الوقت كوني متهماً في القضية، وقد ثبت ذلك في ملفات المحكمة، وأخلي سبيلي ثانية لبضعة أيام افقط ثم عتقلني بعدها جهاز المخابرات العسكرية (جهاز عوض السعيطي) وأودعني السجن العسكري لبضعة أشهر، وبعد أن تأكد النظام تماماً من أنه لا تنظيم سري ورائي تم إخلاء سبيلي ، وهو ما كان يشغله أكثر وتأكد كذلك أن برنامج التجنيد الإجباري للبنات لم يحن موعد فرضه على الناس فتراجع النظام عنه وتم إخلاء سبيلهن وعودتهن إلى دراستهن ، ولم يعد ذلك البرنامج المهين إلا في بداية الثمانينيات.

مكثت في ليبيا حتى أواخر سنة 1978 أمارس أعمالي وسافرت خارج الوطن عدة مرات حيث كنت أعمل في التجارة والاستيراد، ولكني بقيت تحت رقابة الأجهزة الأمنية للنظام. تيقنت أن العمل المسلح في داخل الوطن لم يعد ممكنا بالنسبة لي بسبب ملاحقة الأجهزة الأمنية ومراقبتها لي، وبسبب تصادمي مع العنصر القبلي الذي لم يكن في الحسبان، حيث أصرّ أهل القتيل (رحمه الله) على تطبيق الأعراف القبلية المتعلقة بالقتل الخطأ (مسار ، وسند صلح ، ودفع دية)، وهو ما لم يكن لدي اعتراض عليه سوى أنني لو سرت في ذلك الاتجاه لاتخذه النظام الغاشم دليلا ضدي وتوجيه تهمة رفع السلاح في وجه السلطة الذي سيؤدي إلى اضطهادي واضطهاد أهلي وأصدقائي كما هي سياسة ذلك النظام الغاشم في أية قضايا أمنية، ولم يكن الناس في ذلك راغبين أو مستعدين للقيام بعمل عسكري ضد النظام.

وهكذا الحال حتى غادرت ليبيا لأخر مرة في شهر ديسمبر 1978 للإقامة في بريطانيا واستئناف المعارضة السياسية للنظام الظالم من خلال تأسيسي للإتحاد الدستوري الليبي ، ولكن الموضوع لم يسو بينه وبين أسرة القتيل وقبيلته الدرسة حسب العرف الجاري ، فبقي الأمر معلقا يؤرق الشيخ خلال تلك السنوات، ويشعر أنه يحمل ديناً معلقاً في رقبته لم يغفل عنه ولو ليوم واحد من حياته ، وقد كرر الشيخ محمد عدة مرات ذلك المعنى وأنه كان يتحين الفرصة لآداء ذلك الحق. لكن لم تكن تسوية الموضوع مع عائلة القتيل ممكنة خلال سنوات الهجرة والمعارضة العلنية للقذافي حيث تم اعلان الاتحاد الدستوري ومبايعة الملك ،ولم يثنه عن الاتصال بأولياء الدم لتعزيتهم والتصالح معهم بما يرضيهم إلا خشيته من أن يستعمل النظام ذلك ضده بأن يحوّل القضية إلى المطالبة به عن طريق الشرطة الدولية لجلبه إلى ليبيا متهما في قضية قتل وليس عملا سياسياً، وذلك ضمن سياسة تصفية المعارضة في الخارج وتشويه المعارضين التي كان يتبعها ويتقنها، وفي ذلك الأثناء استأجر من مؤسسة تابعة لوزارة الحج في المملكة السعودية من أدى الحج نيابةً عن المرحوم محمد حسين عبدالباقي وعن والده الحاج ، ولكنه وفي وجود نظام العسف جاثم على الوطن لم يستطع الاقتراب من أولياء الدم.

 وبعد أن قامت ثورة 17 فبراير 2011م وسقط الطاغية رأى الشيخ وجوب تسوية الموضوع مع أهل الجندي الضحية رغم أن القضية تعتبر منسية ولا سبيل لأهل القتيل على الشيخ في شيء فقد سجلت ضد مجهول إلا أنه خلال موسم الحج الأخير طلب من الأستاذ سميربن علي بالذهاب الى ليبيا وإجراء الصلح وتسوية الموضوع، واستعان الأستاذ سمير بن علي في جهده المشكور بعمه عيسى والشيخ محمد معيوف والقاضي أشرف رمضان بن علي الذين بذلوا وقتهم وجهدهم في الخير وكان للشيخ عبد الكريم الخزعلي وأبناء عمومته دور حاسم طيب يليق بمكانتهم ووجاهتهم في تسوية الموضوع وإجراء الصلح بعد تعنت بعض الأطراف ومحاولتهم تغييرالقصة أو تعسير مساعي الصلح التي تعثرت أكثر من مرة وكادت أن تنتهي بسبب تدخل أهل الجهل والغرور والابتزاز ومن يريد الاستفادة من مصائب الناس وأحزانهم، لكن إرادة الخير بتوفيق الله انتصرت ،فتم الصلح بعد دفع ثمانين ألف دينار وتوقيع سند صلح، وبذلك قفل الملف ، فطوبى لمن كان مفتاح خير مغلاق شر، وهنيئاً للأستاذ سمير بن علي هذه المهمة الناجحة وللشيخ محمد بن غلبون في سعيه للصلح.

وبعد أن سرد الشيخ القصة احضرلنا المصحف المكتوب باليد والذي كان لدى الإمام محمد بن علي السنوسي رحمه الله وكان يطالع فيه ثم انتقل إلى ابنه الشيخ محمد المهدي رحمه الله ثم حفيده الملك ادريس رحمه الله ، فالمصحف أثر تاريخي نفيس،ولو كان الأمر لي ما سمحت لأحد بالإطلاع عليه إلا من وراء زجاج مغلق ، وأخشى عليه بعد أن تخلخلت صفحته الأولى من مكانها ، ثم أحضر لنا الجرد الذي كان يلتف به الملك أدريس رحمه الله، وهو مصنوع في المغرب خفيف الوزن ، وذكرلنا الشيخ أن الملك رحمه يحسن اللباس الليبي ويحرص عليه ،وقد أهدى الشيخ محمد الجرد للشيخ عبد الكريم الخزعلي تقديراً لموقفه ، ثم المصحف الذي كان يطالع فيه الملك إدريس وهو مطبوع على رواية حفص بن عاصم رحمهما الله لكن صديقا للملك من طلبة العلم يدعى خطاب محمد رحمه الله قام بضبطه باللون الأحمر وبإضافة حواشي على هامشه ليتمكن الملك من قراءته على رواية ورش رحمه الله وهي الرواية التي كان يتقنها الملك، فالمصحف بهذا أثرعلمي وتاريخي . واختتمت الجلسة الطيبة بالتعليقات المكثفة على سمير بن علي وشكره لسعيه في الخير والصلح.

كانت جلسة ممتعة مفيدة ، لم يطغ فيها الجانب الشخصي فيها بل كانت حافلة ببعض جوانب تاريخ ليبيا وثقافتها وقصصها ومقتنياتها وآثارها وزانتها تعليقات الحاضرين.

 

البيان التأسيسي للإتحاد الدستوري الليبي : 7 أكتوبر 1981

 

فكرة وأهداف الاتحاد الدستوري الليبي

 

Copyright 1999 LCU. All rights reserved.
Revised: January 21, 2015 .